عرض/ إبراهيم غرايبة
يتناول هذا الكتاب أثر النزاع المسلح على النساء، والجهود التي تبذلها اللجنة الدولية للصليب الأحمر من أجل لفت الاهتمام إلى محنة النساء في الحروب والنزاعات المسلحة. والكتاب أيضا دراسة أولية لتوجيه الأعمال والبرامج التي يمكن أن ينفذها الصليب الأحمر والحكومات والمنظمات الدولية.
|
-اسم الكتاب: نساء يواجهن الحرب -المؤلف:شارلوت ليندسي -عدد الصفحات: 319 -الطبعة: الأولى 2002 -الناشر: اللجنة الدولية للصليب الأحمر، جنيف، سويسرا | |
وقد شهدت السنوات الأخيرة اهتماما متزايدا سواء داخل الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر أو في خارجها، بالمشكلات التي تواجهها النساء أثناء النزاعات المسلحة. وتجلى الحرص على التصدي بمزيد من الفعالية للمشكلات التي تواجهها النساء، في القرارات التي صدرت عن الحركة في مجموعها وفي مقررات أكثر تحديدا داخل اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
ففي عام 1996 اتخذ المؤتمر الدولي السادس والعشرون للصليب الأحمر والهلال الأحمر قرارا بعنوان "حماية السكان المدنيين في فترات النزاع المسلح"، حث فيه على اتخاذ تدابير قوية تكفل للنساء الحماية والمساعدة اللتين يحق لهن التمتع بهما بمقتضى القانون الدولي والوطني. كما شجع الدول وسائر المنظمات المختصة على اتخاذ تدابير وقائية وتقييم البرامج القائمة واستحداث برامج جديدة، بما يكفل للنساء من ضحايا النزاعات المسلحة تلقي المعونات الطبية والنفسية والاجتماعية. على أن يقوم بتقديمها ما أمكن فنيون مؤهلون على دراية بالقضايا المحددة التي تنطوي عليها هذه المعونة.
المشاركة في الأعمال الحربية
تشارك النساء بفعالية في كثير من النزاعات المسلحة في شتى أنحاء العالم، وقد لعبن دورا في الحروب على امتداد التاريخ. وكانت الحرب العالمية الثانية قد سلطت الضوء على دور النساء، وهو دور تمثل أساسا في قوات الاحتياط والإسناد والعمل في مصانع الذخيرة، إضافة إلى المشاركة المباشرة في القتال وفي جميع الإدارات والوحدات العسكرية. فتشكل النساء 8% من جملة أفراد القوات المسلحة، وتعاظم دورهن بعد الحرب العالمية الثانية، فزاد عدد الملتحقات طوعا أو كرها بالقوات المسلحة.
فعلى سبيل المثال تشكل النساء 14% من جملة أفراد القوات المسلحة في الولايات المتحدة، وكان عدد النساء الأميركيات المشاركات في حرب الخليج الثانية 1990/1991 أربعين ألف امرأة. وفي كثير من حروب التحرير أو حروب العصابات قامت النساء بدور أساسي، ففي نيكاراغوا قدرت النساء في جيش الساندنستا بـ 30%، وفي السلفادور كن 25% من قوات جبهة فاريبوندي مارتي للتحرير الوطني.
وقد أظهرت الحالات التي وقعت في رواندا أن النساء تجاوز دورهن بالقتال والتحريض والإسناد والرعاية وإعداد الطعام، إلى المشاركة في المجازر وأعمال الإبادة الجماعية التي وقعت.
بنات حواء والسلام
أقبلت النساء أيضا على أعمال السلام ومقاومة العنف المسلح، فهناك نساء يشاركن في التظاهر لأجل السلام، والعمل المنظم في جماعات ومؤسسات لتحقيق السلام ونبذ الحروب والعنف. وفي الصومال كانت تعقب المصالحة بين القبائل المتحاربة عمليات زواج متبادل بين المتناحرتين، للرمز إلى المحبة والتعاون وإقامة علاقات مصاهرة تحقق قرابة ومصالح مشتركة وتمنع القتال في المستقبل.
وقد أعلنت حملة "النساء لبناء السلام" -التي تضم نساء ومنظمات نسوية بكافة أنحاء العالم- أن النظر إلى النساء كضحايا أثناء النزاعات المسلحة يحجب دورهن، كصانعات للسلام ومشاركات في عمليات صنع القرار بمفاوضات السلام وعمليات إعادة التعمير والتنمية.
الحلقة الأضعف
هناك ميل نحو تصنيف النساء مجرد فئة مستضعفة رغم أنهن لسن مستضعفات بالضرورة. والواقع أن الإجابة عن سؤال مثل: هل النساء أكثر ضعفا من الرجال أثناء النزاعات المسلحة؟ هي نعم و لا في آن معا. فالنساء قد لا يكن أضعف بالضرورة، لكنهن أكثر عرضة للتهميش والفقر والمعاناة الناجمة عن النزاع المسلح. ولكن نسبة الرجال المعتقلين في بعض النزاعات بلغت 96%، ونسبتهم من المفقودين 90%. ولكن النساء أكثر عرضة للعنف الجنسي، وجعل النزاع المسلح النساء يتحملن عبء السعي لتدبير المعاش اليومي لأسرهن. وهناك مجموعات كبيرة من الأرامل والحوامل والمرضعات والأمهات، وهذا هو الجانب الذي يجعل النساء أكثر عرضة للأذى بسبب الحروب والنزاعات المسلحة.
وتؤدي النزاعات المسلحة إلى تأثير بالغ على حياة النساء. مثل تغير الدور الاقتصادي والاجتماعي، وتفكك الأسر، والعمل في التسول والدعارة، والقيام بأعمال شاقة يؤديها عادة الرجال مثل الزراعة وتربية الماشية ورعايتها، والهجرة إلى المدن لأجل العمل فيها. كما تقل فرص الزواج وتزداد العنوسة، وتقل فرص المرأة في اكتساب مركز اقتصادي واجتماعي، لأن الزواج هو السبيل الوحيد أو الأكثر أهمية لتحقيق ذلك.
أرامل وزوجات مفقودين
أدى انتشار النزاع المسلح وتطور وسائل القتال إلى زيادة معدلات الخسائر في أرواح العسكريين والمدنيين. وأدى ذلك إلى زيادة عدد المفقودين والمشردين والأرامل من النساء، وهو أمر يؤثر على حياة النساء والمجتمع بوجه عام.
فالترمل يغير الأدوار الاجتماعية والاقتصادية للنساء في البيت والمجتمع المحلي، كما يغير من بنية الأسرة، وينال من الأمان الشخصي للنساء ومن هويتهن وقدرتهن.
وتعاني زوجات المفقودين من المشكلات التي تعاني منها الأرامل، ولكن دون اعتراف رسمي بوضعهن، وهو ما يخلق لهن مشكلات معينة.
العنف الجنسي
يستخدم الاعتداء الجنسي سلاحا حربيا وتدميريا شديد الفعالية، وتتعرض النساء عادة في الحروب للاغتصاب والإكراه على الدعارة والتعقيم القسري. وتؤدي نظرة المجتمعات المحلية إلى النساء باعتبارهن رمز المجتمع وحاملات شرفه، إلى زيادة المخاطر التي يتعرضن لها. فيكون الاغتصاب ليس مجرد عنف ضد المرأة، بل عمل عدواني ضد شعب أو مجتمع محلي.
ويستخدم العنف الجنسي ضد النساء أو أفراد من عائلاتهن باعتبار ذلك من وسائل التعذيب وانتزاع الاعترافات والمعلومات ولجرح كبريائهن وإنزال العقاب بهن، وكثيرا ما ينظر إلى الاغتصاب كمكافأة للجنود والمحاربين.
وتلجأ النساء أحيانا إلى ممارسة الجنس مع الجنود ورجال السلطة والجماعات المسيطرة، للحصول على الحماية والمال والطعام. ولوحظ أيضا ارتباط زيادة حالات البغاء والاغتصاب -ومنها مع الأطفال- مع وجود قوات حفظ السلام التي تدخل المناطق بعد إنهاء النزاع، وتصبح سلطة بديلة يستغلها الجنود والعاملون فيها لانتهاك القوانين والاعتداء على النساء والضعاف.
الغذاء والماء والدواء
يعتبر الحصول على الغذاء والماء في حالات الحرب من التحديات الرئيسية التي تواجه المجتمعات، بسبب التهديد والنزوح وعدم الشعور بالأمان وفقدان مصادر الماء والغذاء.
والنساء أكثر عرضة للتأثر بالأزمات بحكم ظروفهن، فالفرصة المتاحة لهن للحصول على الموارد تكون أقل. والدور الإنجابي للنساء يزيد من تأثرهن بنقص الغذاء أو عدم ملاءمته، فهن يحتجن إلى قدر أكبر من الفيتامينات والمعادن، ونقص التغذية عند الحوامل يمكن أن يؤدي إلى إنجاب أطفال مرضى أو ناقصي الوزن.
وقد تتطلب أوضاع النزاع والظروف المحيطة به أن يبتعد الرجال عن قراهم للمشاركة في القتال أو هربا من المجازر والاضطهاد. وتتحمل النساء أمر تدبير الطعام والماء، وقد يتطلب ذلك الخروج والمسير لمسافات طويلة بعيدا عن القرى وأماكن الإقامة، فيتعرضن لمخاطر الألغام والاعتداء والقصف والاختطاف.
وقد تتعرض النساء والأطفال لمعاناة بسبب العقوبات الاقتصادية، فقد لا تتمكن النساء من الحمل والولادة بأمان بسبب نقص المواد الطبية والمهارات الفنية اللازمة لتقديم المساعدة والمشورة. ويصاب الأطفال بسوء التغذية ويعانون من نقص اللقاحات اللازمة للوقاية من أمراض الطفولة وعلاجها، وهذا يزيد معاناة النساء.
ويشمل إعداد الطعام الحصول على الوسائل اللازمة لإعداده من حطب ووقود ومواقد وأوان وأدوات للطهي، ويتضمن أيضا الوقت والمخاطر التي ينطوي عليها إعداد الطعام. وتتولى النساء بوجه عام مسؤولية إعداد الطعام في الأسرة، وقد يحتاج الأمر أن يذهبن لمسافات بعيدة لجمع الحطب فيتعرضن بذلك للخطر.
ويعد الحصول على مياه ملائمة كميا ونوعيا لأغراض الشرب والطهي والنظافة والري أمرا ضروريا للحصول على مستوى صحي طيب. وتحتاج النساء إلى الماء لإعداد الطعام والأعمال المنزلية، وقد يتطلب ذلك المسير لمسافات طويلة ومناطق خطرة وتحمل مشاق نفسية وجسدية لأجل الحصول على الماء. وقد تتعرض مصادر المياه وبنيتها الأساسية للمهاجمة والتدمير عن عمد وتخطيط مسبق، وغالبا ما يكون هناك قصور في شبكات المياه الموجودة قبل الحرب.
الزراعة
وفي أوضاع النزاع يشيع التشرد والسرقة ونهب الممتلكات والبنية الأساسية. ويحدث عادة أن تبقى النساء والأطفال في القرى والمزارع ويغيب الرجال، فينهار التوزيع التقليدي للعمل في الأرض والمنزل، وتحتاج النساء لتعلم مهارات جديدة في استخدام الأدوات الزراعية والعمل للحصول على المدخلات الزراعية كالبذور والأسمدة.
وفي كثير من الأحيان تواجه النساء الأرامل أو زوجات المفقودين أو النساء غير المتزوجات صعوبات في الإجراءات القانونية لملكية الأرض وإدارتها والتفويض في التصرف بها، وقد يحظر عليهن التملك والاستئجار وتوقيع العقود.
ويمكن أن تؤدي أوضاع النزاع إلى عمليات طرد بالقوة من الأرض وإغارة ونهب للبيوت والقرى.
العمل وكسب العيش
كما يفقد الرجال في النزاعات ثرواتهم وأملاكهم وأعمالهم، فإن النساء معرضات لفقدان حليهن ومهورهن وممتلكاتهن الخاصة، وقد تنخفض قيمتها المادية في السوق بسبب زيادة المعروض منها للبيع، وتقل أيضا فرص العمل والتوظيف. وقد يحدث أحيانا تقديم مساعدة للنساء في إقامة مشروعات صغيرة تجارية أو إنتاجية أو تبادر النساء بأعمال صغيرة مثل بيع الخبز أو السمك أو الكعك.
السكن والمأوى
وتتعرض المساكن والبيوت وأماكن الإقامة في الحروب للتدمير والنهب والهجران، وتزداد الحاجة إلى الخيام والأغطية لإيواء اللاجئين والمتضررين، وتفقد العائلات بيوتها بسبب الفرار والتدمير، وتصبح مسألة تدبير مأوى مناسب ولائق للنساء والأطفال مسألة ملحة.
وتقام عادة لهذه الأغراض مخيمات تقدم مساكن مؤقتة تقيم فيها عادة النساء والأطفال، لأن الرجال يكونون في الحرب أو هاربون أو مفقودون.
وقد تتعرض هذه المخيمات للهجوم والنهب والاعتداء من الأطراف المتنازعة أو العصابات المسلحة، أو رجال السلطة التي يفترض أن تحمي المخيمات وترعاها من الدول أو المنظمات الدولية أو قوات حفظ السلام.
اللباس
يعد اللباس أمرا ضروريا للمحافظة على الصحة والكرامة، وقد يتحول أثناء النزاع المسلح إلى ترف تتوارى أهميته خلف الكفاح لأجل البقاء، وقد يصبح سلعة نادرة يصعب اقتناؤها.
وفي بعض البلدان وظروف النزاع يمكن أن تدل الملابس بألوانها أو تصميمها على الانتماء لمجموعة ثقافية أو عرقية أو إثنية، فتتعرض النساء للأذى والاضطهاد.
الصحة
تتفاقم المشكلات الصحية أثناء الحروب والنزاعات المسلحة، وتكون الأوضاع الصحية غالبا بمناطق النزاع في أوضاع بائسة حتى قبل نشوب النزاع المسلح.
وغالبا ما تكون النساء أكثر عرضة للإصابة بالأمراض الجنسية، وتحتاج إلى رعاية صحية خاصة أثناء الحمل والولادة، ولتنظيم الأسرة والحماية من العنف الجنسي والأمراض التي تنتقل عن طريق الاتصال الجنسي، والرعاية الطبية لدى حدوث مضاعفات الولادة.
وتمثل الملاريا مشكلة صحية رئيسة في بلدان كثيرة، وتؤدي الحروب إلى زيادة انتشارها وكذلك أمراض سوء التغذية والأنيميا ونقص وزن الجنين، وتزداد هذه المخاطر بصفة خاصة بين النساء في حملهن الأول.
وفضلا عن مصاعب الحصول على خدمات طبية معينة في وقت الحرب، فقد تواجه النساء مشكلات خطيرة في العناية الطبية العامة نتيجة التفرقة في المعاملة، وربما تعرضت النساء للاستغلال فيتعرضن للابتزاز والإيذاء. 