العلاقة بين الجيش والدولة
 |
|
محمد حسنين هيكل | |
محمد حسنين هيكل: مساء الخير. كما وصلنا في الأسبوع الماضي إلى حيث كان الجيش الإسرائيلي يوم 4 يونيو سنة 1967 والقتال على وشك أن يندلع سوف أتوقف هذه الليلة بشكل مواز أمام أين وكيف كان الجيش المصري يوم 4 يونيو حتى منتصف ليلة 5 يونيو أي عندما كان القتال على وشك أن ينفجر. قبل أن أقول هذا أظن أنني مطالب بمقدمة سريعة جدا، بهذه المقدمة أريد أن أقول إن الدولة الحديثة في الشرق الأوسط وفي العالم العربي بالتحديد -على فرض أن هناك دولة وعلى فرض أنها حديثة- لم تكن تعرف كيف تتعامل مع قواتها المسلحة، كان في إشكال باستمرار بين الدولة، لأن الدولة لم تكن قد تكونت ولا تزال حتى هذه اللحظة هي مشروع تحت التكوين وبالتالي كل مؤسسات الدولة هي تحت التكوين وفي مرحلة التجريب. بالنسبة للجيوش العربية كلها أنا تكلمت فيها كفاية قوي ولكن تكلمت في الفترة اللي منذ بدأ شبه الاستقلال في وقت محمد علي ووقت الجزار باشا في الشام، واحد في مصر وواحد في الشام، هناك شبه دولة وهناك شبه دولة مستقلة وهناك شبه دولة تحاول أن تصل بنفسها إلى نوع أو إلى درجة من الحداثة، محمد علي نجح في الوصول إلى درجة من هذا النوع لكنه وهو يصل إلى موضوع جيشه، جيشه كان جيش الوالي لم يكن جيش الشعب ولا جيش الدولة، دولة تكونت لكنه كان جيش الوالي أو جيش الأمير أو جيش الحاكم وهذا كان الوضع الأول الذي كانت نشأت فيه فكرة الدولة ومقترنة معها ضمنها أجهزة الدولة وهذا طبيعي جدا، جيش في خدمتها ولكنه يخدم إما مطالب الأمير وإما يدافع عن الأمير، مطالب الحاكم أو الدفاع عن الحاكم، ولكنه لم تنشأ بطبيعة الظروف جيوش بالمعنى الذي يمكن تصوره. يمكن في تركيا حصل أنه كان في استمرار لأن العثمانيين، إنهيار الإمبراطورية العثمانية ساعة ما انهارت كان في مصطفى كمال أتاتورك بيأخذ على طول الموقف، في إيران برضه كان الوضع مختلفا لأنه كان في دولة أو كيان دولة، دولة الكاشار وبعدين رضا بهلوي الأب الكبير أخذ زمام الأمور فبقى في نوع من التماسك بشكل أو بآخر، ولكن في العالم العربي بعد أن قسمته معاهدة سايكس بيكو وخرجت دوله، الجيوش في العالم العربي وأنا قلت إنه كانت كيانا حديثا لسه لم يتشكل، يتشكل بالتوازي مع الدولة، ولكن على أي حال كان في عندنا في مصر جيش من هذا النوع طبعا جيش تحت التشكيل لكنه كان جيشا إما جيش الملك وإما جيش النظام فيما بعد، ولكن هذا الجيش بعيد قوي كان لسه عن تجربة الحرب. لكن حرب فلسطين وهي في بداية نشأة الجيش وبداية تكوينه لأنه من بعد 1936 بدأ المصريون وبفضل مصطفى النحاس الحقيقة بدأ المصريون العاديون يدخلون إلى صفوف ضباط الجيش ومش بس الأتراك والشركس إلى آخره، لكن سرعات ما جاءت حرب فلسطين ودخل الجيش المصري إلى معركة بالسلاح والنار لم يكن مهيئا لها ولكنه هو وغيره من الجيوش العربية في فلسطين أظن أنه بفلسطين كانت فرصة هذه الجيوش العربية حاولت فيها لأنها زجت إلى مجال لم تكن تعرفه وإلى تجربة هي حديثة العهد بها، آه تعلمت في الكليات العسكرية بعض الأشياء عن الحرب لكن مش كفاية لأنه زي ما كنت بحاول أقول باستمرار إن كل حاجة في الدنيا كل شيء في الدنيا هو تجربة وتراكم وخبرة تترتب على التراكم وتقاليد تترتب على الخبرة وعلى التراكم معا حتى تنشأ مدرسة، بلاش مؤسسة، تنشأ مدرسة معينة في جيش ما تؤقلم نفسها على ظروفه وعلى أمنه وعلى طبيعة التهديد الذي يواجهه وعلى قدرتها على مواجهة هذا التهديد. أظن أن الجيوش العربية كلها في فلسطين رجعت وهي تسائل نفسها عندها أسئلة أكثر مما عندها أجوبة، عندها هواجس عندها قلق لأنه هناك بدأت تتبين بدأت تصطدم لأول مرة بجيش من نوع آخر، هذا الجيش اللي من نوع آخر لا بد أن نعلم أنه أيضا هو جيش مشروع دولة وهي دولة لم تستقر في مكانها ولكنها دولة استوردت كلها بالكامل إلى بيئة أخرى بما فيها جيشها اللي أخذ تجربته في ميادين القتال في الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، طيرانه بالتحديد كان متقدما جدا لأنه هذا هو الطيران البريطاني في واقع الأمر، مؤسس الطيران وهو إيزر فايسمان كان ضابط أركان حرب في الطيران البريطاني فهناك خبرة وهناك تجربة وهناك إحساس بالنار وبالدم، ولكن في الحالة العربية هذا الدم والنار كان اكتشافا جديدا والحرب كلها والقتال اكتشاف جديد، قبل كده كان في تصور أنه اللي يسمعوه في الأقوال السائدة والجارية وهي أن الحرب كر وفر على طريقة امرؤ القيس بـ
مكر مفر مقبل مدبر معا
كجلمود صخر حطه السيل من عل
ده مش حرب، الحرب الحديثة قضية ثانية. فالجيش، كل الجيوش العربية وهي في فلسطين ساءلت نفسها والتفتت حولها وتأملت أحوال أوطانها وكلها عادت وهي مشحونة بأشياء ثانية، وهي مشحونة بفكرة أنه عندها مشكلة في الداخل وأن الطريقة التي أرسلت بها إلى الحرب وهي لم تكن مستعدة لها أعطتها صورة على أهمية القرار السياسي في عمل الجيش فرجعت هذه الجيوش بدرجة متفاوتة بشكل أو آخر، فرجعت هذه الجيوش وإذا مثلا الجيش السوري بعد سنة واحدة من حرب فلسطين يعمل انقلابا يتلوه انقلاب يتلوه انقلاب، والجيش العراقي كان في حالة قلق شديدة موازية، لكن الجيش المصري رجع وعنده ما هو أكثر بالطبيعة المصرية عندها ما هو أكثر من مجرد أنه بيعمل انقلابا لأنه عنده تصور، هذه الدولة المركزية المستقرة أو هذا البلد -لأن الدولة لسه ما جاءت- هذا الوطن هذا البلد المستقر الراكز في موقعه لديه أشياء كثيرة قوي خصوصا إذا تذكرنا قوة مصر الناعمة والمتمثلة في الثقافة -وأنا تكلمت فيها- فالجيش المصري كان في وضع آخر مختلف، عاد وليس معه فقط تساؤلات ولكن عاد من فلسطين ومعه أحلام وتصورات وأفكار وهذا هو ما سمح أن قوى كثيرة جدا من العالم السياسي مع عالم السياسة في مصر يعني تقترب من الجيش زي الشيوعيين، الأخوان المسلمين، الوفد إلى آخره، لأنهم كلهم حسوا أن هناك قوة جديدة مقبلة مؤثرة في الحياة السياسية حتى وإن لم تكن طرفا مباشرا رسميا فيها ولكنها مؤثرة فيها فكلهم حاولوا استكشافها لكن الجيش نفسه كان عنده أيضا في تساؤلاته ما يدعوه إلى أنه بيسأل، لكن هذه الأسئلة كلها انفجرت 23 يوليو ثم دخلنا أو دخلت البلد وأيضا دخل الجيش في عمليات التفاعلات التي جرت في مصر منذ قيام ثورة يوليو وحتى السويس. السويس دخل الجيش في أول تجربة حقيقية بالنار وهناك اكتشف وهو يواجه إنجلترا وهو يواجه فرنسا وهو يواجه إسرائيل، البلد كلها بتواجه والجيش معه، ولكن هنا الجيش أظنه لأول مرة بقى عنده فكرة واضحة، الدولة عندها فكرة بشكل أو بآخر وخصوصا الناس اللي موجودين في السلطة في ذلك الوقت معظمهم عسكريون، لكن أيضا في القوات المسلحة في الجيش ككيان وكبناء وكشبه مؤسسة أو جماعة -اللي عاوزين نقوله من أوصاف- لأنه لسه في ما فيش حاجة في مصر وصلت تبقى إلى درجة المؤسسة التي لها تقاليدها ولها قوانينها والتي تتحرك وتتجدد بقواها الذاتية متحررة من أي بيروقراطية، ما هياش جهاز بيروقراطي، المؤسسة، قيمة المؤسسة أن تكون قادرة هي على الحركة وعلى التأثير. إلى حد ما الجيش الإسرائيلي على سبيل المثال كان عنده بشكل ما هيكل مؤسسة عسكرية ولذلك نلاحظ مما رأيناه في استعداد الجيش الإسرائيلي لغاية 5 يونيو أنه كان داخلا في القرار السياسي داخلا حتى في إملاء القرار السياسي حتى في الضغط على القرار السياسي، لكن المطلوب ما كانش هو ده بالضبط في الدولة العربية، وده لازم يبقى موجود، ده موجود في دولة صناعية ولكن في كل الأحوال في هنا مشكلة العلاقة بين السياسة وبين قرار الحرب أو قرار القتال، هذا في العالم العربي أظنه غير موجود. بعد السويس بدأت هذه الضرورات تنشأ، الدول في العالم كله حلت مشكلة العلاقة بين القوى المسلحة وبين القرار السياسي بإنشاء ما أسموه مجلس الأمن القومي، مجلس الأمن القومي أو مجلس الأمن الوطني هو المكان الذي يمكن أن تجتمع فيه كل القيادات المؤثرة في الدولة مدنية وعسكرية، في مجالات السياسة الخارجية، في مجالات الاقتصاد، في مجالات المواصلات، في المجالات المؤثرة في عمل دولة تريد أن تحارب ولها جبهة قتال ولها جيش ولها نظرية أمن ولها مصدر تهديد تعرفه ولها استعداد إزاء هذا المصدر للتهديد سواء على مستوى أمنها هي الداخلي أو على مجال مستواها الإستراتيجي إلى درجة إستراتيجيتها العليا، هذا يحتاج باستمرار إلى أن الجيش يبقى داخلا في القرار السياسي على الأقل لكي يكون فاهما للقرار السياسي، يبقى موجودا في مجلس صنع القرار، يبقى متابعا لصنع القرار وليس مجرد تابع تلقى إليه أوامر لا أحد يعرف كيف وصلت إليه وكيف شرحت له وكيف اقتنع بها قادته لأنه أهم شيء بأعتقد وكل الناس بيعتقدوا وكل مدارس الإستراتيجي تعتقد أو بتؤكد أن أهم حاجة بالنسبة لجيش مقاتل هو وضوح هدفه وإحساسه بأن لديه الوسائل التي يتمكن بها من تحقيق هذا الهدف. بعد السويس بدأت تبقى في محاولات بشكل أو آخر، وأنا حكيت على الظروف التي فات فيها الجيش المصري ولكننا وصلنا إلى حيث سنة 1964 مثلا أنه تبدت الحاجة إلى تخطيط مشترك، إلى تخطيط عسكري، إلى تخطيط وضع خطة لمواجهة تهديد تحد بأنه إسرائيل في ذلك الوقت، ولا يزال في اعتقادي أنه لا يزال التهديد على مصر هو التهديد الإسرائيلي لأسباب كثير قوي وأنا شرحت الكلام ده كثيرا، لكن القضية المهمة جدا هنا كانت أنه في موضوع متعلق بالدفاع المصري وهو أنه لا يمكن بصدق الدفاع المصري حقيقة إلا في إطار عربي. بعد السويس كان فيه جاء مؤتمر القمة سنة 1964، في يناير في مؤتمر القمة أنشئت قيادة عربية مشتركة، وتوالت، وهنا كان في خطط الدفاع المصرية مستندة على خطط الدفاع المشترك لأن خطط الدفاع المشترك هنا توفر لمصر أقصى درجات الدفاع أو أقصى درجات مواجهة التهديد، لما يبقى في خطط عربية دائما، عادة، وهذه مسألة مهمة متعلقة بالتهديد الذي نواجهه مع إسرائيل، يبقى على طول أهم قاعدة للعمل بالطيران على سبيل المثال تبقى سوريا ومش مصر، لأنه في سوريا أي طيران موجود أو قواعد جوية موجودة في سوريا تستطيع أن تطال، أن تكون فوق أي هدف في إسرائيل في شمال إسرائيل خصوصا حيث الكثافة الحقيقية للقوى الإسرائيلية الصناعية أو التجارية إلى آخره يعني، أو العسكرية، الحشد العسكري والمطارات والقواعد، تستطيع من سوريا أي قوات جوية أن تصل وأن تكون فوق أهدافها في إسرائيل بعد دقائق وفي هذه الفترة القصيرة تمكن القوات من أن تكون موجودة وقادرة على الفعل فوق أهدافها مدة زمنية أطول، بمعنى أي قوات طالعة من سوريا جوية تبقى في إسرائيل عندها مجال للعمل فوق أهدافها يصل إلى ثلث الساعة لكن إذا وصلت قوات جوية من مصر فبالكاد تكاد تصل ولكي تعود آمنة يبقى قدامها فوق أهدافها مسافة لا تزيد عن ثلاثة إلى أربع دقائق، فباستمرار هي المكان الأصلح للعمل الجوي في مواجهة تهديد إسرائيل، ويبقى بنفس المقدار وبنفس المعيار الأردن هي أحسن جبهة للعمل البري ضد إسرائيل بسرعة أو العمل التعرضي الذي يصل بسرعة لأن عرض الجبهة في هذه المنطقة، المنطقة الوسطى المواجهة للأردن هو لا يزيد عن 13 إلى 14، 15 كيلومتر بالتحديد، فإذا كانت في طوابير مدرعة ولو خفيفة ودخلت تستطيع أن تقطع إسرائيل إلى نصفين، الجبهة المصرية في هذه الحالة يبقى عليها واجب التقدم بقوات برية كثيفة لكي تدخل النقب ولكي تزحف شمالا. فالعمل العربي المشترك يساعده جدا أو التهديد على مصر بالتحديد يساعدها جدا أن تكون هناك جبهات مفتوحة لأن الدفاع بهذه الطريقة من الجنوب ما بين لساني البحر الأحمر الداخلين في سيناء هذه عملية في منتهى الصعوبة. لكن على أي حال في مؤتمرات القمة كان في لغاية 1964 كان في مؤتمر القمة الأول في القاهرة بعدين بقى مؤتمر القمة الثاني في الإسكندرية وبعدين جاء مؤتمر الدار البيضاء، مؤتمر الدار البيضاء حصل فيه حاجات برضه أنا تعرضت لها، لكن تذكرة سريعة جدا، اللواء أمين الحافظ رئيس الدولة السورية في ذلك الوقت أو رئيس النظام السوري في ذلك الوقت قدم خطة بهجوم شامل على إسرائيل من كل الجبهات وكانت حكاية ليس فيها تدبير حقيقي ولا فيها تخطيط حقيقي ولكنه هو الفكرة العربية، فكرة التمادي والحشد والدخول من غير ما في، الحرب مش كر وفر، الحرب قضية كبيرة قوية ومعقدة جدا، في العصر الحديث يعني، وتحتاج إلى حشد حقيقي حشد قوى، أمم، مش حشد قوات في الميدان يعني بس.
[فاصل إعلاني]
دوافع وملامح الخطة قاهر
محمد حسنين هيكل: وعلى أي حال في مؤتمر الدار البيضاء بهذا الشكل وبهذه المزايدات أدركت القيادة المصرية متمثلة في جمال عبد الناصر في ذلك الوقت أن الاعتماد على تخطيط عربي مشترك لفترة معينة قد يطول أمده وأنه من الأفضل جدا أنه في هذه اللحظة يبقى في خطة ولو مؤقتة تواجه أي احتمالات قادمة على الجبهة المصرية وحدها، لأنه في إحساس باللي حاصل في العالم العربي كله سواء باللي جاري في العراق في ذلك الوقت سواء في اللي جاري في سوريا في ذلك الوقت سواء بوجودنا في اليمن بذلك الوقت، في إحساس بشكل عام أنه في قوى كثيرة قوي قد تتربص وقد توجه ضربة إلى مصر وعلى أي حال في كل الأحوال لا بد أن تكون هناك خطة جاهزة للدفاع عن مصر. وفي هذه الفترة رجع جمال عبد الناصر من الدار البيضاء وفي سبتمبر، في أول أكتوبر هو رجع في سبتمبر، أو أكتوبر كان في تعليمات أو في كان توجيهات أنه تبتدي توضع خطة للدفاع عن مصر في حد ذاتها معتمدة عليها هي كقاعدة، قاعدة للعمل، وبالتالي بدأت هيئة أركان حرب القوات المسلحة المصرية وهي فيها شباب أنا بأقول وحقيقي يعني، فيها شباب من أحسن الشباب اللي ممكن تصورهم، دارسون، معظمهم وقتها كان دارسا في كلية فرونزي في الاتحاد السوفياتي وده كان قرارا بعد السويس لأنه بعد السويس الكليات الحربية في أي حتة أخرى لم تكن متاحة لنا، في أي مكان آخر لم تكن متاحة لنا، وفرونزي كانت موجودة لكن كان عندنا لا يزال خريجون من أماكن زي ساند هيرست وزي ليفن وورث جامعات عسكرية إنجليزية وأميركية وبالتالي أظن أن هيئة أركان حرب كان عندها الفرصة أن تقعد وتحشد مجموعة الكفاءات فيها لمدة ستة أشهر لكي يخرجوا بشيء سموه الخطة قاهر، أطلق عليها الخطة الرمزية قاهر. الخطة الرمزية العامة الإسرائيلية كان اسمها في ذلك الوقت