دراسات - فعاليات - الأزمة العراقية.. أزمة مجتمع أم أزمة دولة؟
ابحث عن
العضوية|من نحن|إلى الجزيرة|بيانات صحفية|خريطة الموقع|مركز المساعدة
عن المركز تقدير موقفتقاريرملفاتقضايا للحوارأوراق الجزيرةفعالياتمنتدى المشرقعالم الكتب
الثلاثاء 3/12/1429 هـ - الموافق2/12/2008 م (آخر تحديث) الساعة 15:05 (مكة المكرمة)، 12:05 (غرينتش)
مواضيع متعلقة
طباعة الصفحة إرسال المقال
الأزمة العراقية.. أزمة مجتمع أم أزمة دولة؟

 

لقاء مكي العزاوي

يثير هذا العنوان (السؤال) رؤية أكثر عمقا لقضية العراق الراهنة، فنحن لم نعد نتعامل مع أزمة ذات بعد أمني أو سياسي أو اقتصادي أو أنساني فقط، بل بات الأمر يتعلق بالكيان العراقي بكامله مجتمعا ودولة، وأصبح خطر التقسيم أو التفتت أيا كان شكله قانونيا أم إداريا أم ديموغرافيا امرأ قائما وممكنا مع مخاطر أن تكون الكيانات الجديدة مقدمات لمشكلات أعظم ترتبط بجدران الدم والتعصب وجروح التاريخ المستعادة التي ستفصل بينها.

لقاء مكي
ومع اقتراب احتلال العراق من إتمام عامه الرابع يزداد تعقيد الأزمة في البلاد وتتشابك أشكال واتجاهات القوى التي تشارك فيها، كما تزداد حدة الصراع ودمويته مع سقوط ما بات يصل إلى مليون قتيل (1)، وضعفه من الجرحى والمعوقين ونحو أربعة ملايين مهاجر ونازح إلى جانب تعطيل شامل للحياة وانهيار العجلة الاقتصادية واختلال التوازنات الاجتماعية وتوزيعات السكان التقليدية وانقسام المجتمع بشكل حاد إلى طوائف وأعراق وقوى سياسية ودينية وقبلية.

إزاء هذا كله يتكرر العنوان (التساؤل)، هل أزمة العراق الراهنة تعود بأصولها إلى الدولة التي دمرها الاحتلال من غير أن يجد لها بديلا، أم إلى المجتمع الذي تماهى في تداعيه مع تداعي الدولة لأسباب أصيلة فيه تتعلق بتركيبته وتاريخه الممتد؟

ولقد وجدت إن محاولات الإجابة عن هذا التساؤل تحتاج إلى استخدام منهج تاريخي يتولى مراجعة الجذور ومحاولة اكتشاف الإجابات هناك، فما يحدث اليوم لم ينزل من السماء هكذا دفعة واحدة، كما إن الاحتلال يمكنه أن يستثير كوامن موجودة ونائمة لكنه بالقطع ليس بمقدوره خلق ما بات يمزق العراق والعراقيين طائفيا وعرقيا.

من أجل ذلك عمدت إلى استخدام المنهج التاريخي في تفحص الأزمة العراقية من غير إهمال المنهج الوصفي التحليلي الذي يستقري الحاضر بمجمل تداعياته.

أولا: المجتمع العراقي
ثانيا: الدولة العراقية
خلاصات وأحكام ختامية

أولا: المجتمع العراقي

"
الاحتلال يمكنه أن يستثير كوامن موجودة ونائمة لكنه بالقطع ليس بمقدوره خلق ما بات يمزق العراق والعراقيين طائفيا وعرقيا
"
يعرف المجتمع بأنه "نسق مكون من العرف المنوع والإجراءات المرسومة ومن السلطة والمعرفة المتبادلة ومن كثير من التجمعات والأقسام وشتى وجوه ضبط السلوك الإنساني والحريات، إنه نسيج للعلاقات الاجتماعية، وأخص صفات المجتمع، إنه لا يثبت على حال" (2).

وعلى وفق هذا المفهوم فإن المجتمع العراقي ليس استثنائيا في تعدد طبقاته وأقسامه وفي تنوعه الإثني والطائفي والديني ولا في تحولاته عبر الزمن، لكن الاستثناء فيه -قياسا لمعظم بلدان المشرق العربي- يكمن في التاريخ والجغرافية اللتين رسمتا ملامح قاسية للعراق دولة ومجتمعا.

إن العراق هو نتاج تحولات تاريخية كبرى وبالغة التعقيد، وقد جعله موقعه الجغرافي في التخوم الشمالية الشرقية للحوض العربي ساحة استقبال دائمة للهجرات من المحيط الآسيوي. (3).

ومثل سائر المجتمعات التقليدية، فإن العناصر الأساسية المكونة للمجتمع العراقي تتمركز في كل من السلطة الدينية والسلطة القبلية، وبطبيعة الحال فقد تفاوت تأثير كل من هاتين السلطتين وعلاقتهما ببعضهما تبعا للتطورات والأحداث والمتغيرات الإنسانية.

وإذا ما تخطينا ملامح المراحل التاريخية المختلفة فإنه مع حلول القرن العشرين بدا المجتمع العراقي -الذي تعرض لضربات عنيفة مستمرة دامت نحو ألف عام- مقسما بطريقة حادة إلى عدد كبير من الجماعات القائمة على أساس القومية أو الدين أو الطائفة أو القبيلة، وكانت هناك هوة واسعة تفصل المدن عن المناطق العشائرية، وكان العرب الحضريون وعرب العشائر ينتمون إلى عالمين يكادان يكونان منفصلين باستثناء سكان المدن الواقعة في عمق المناطق العشائرية، أو رجال العشائر الذين يقطنون قرب المدن (4).

القبلية وبناء السياق الاجتماعي في العراق
تمثل القبائل العربية التي هاجرت من الجزيرة إلى العراق بعد الفتح الإسلامي في عام 15 للهجرة فضلا عن تلك التي كانت استوطنت فيه قبل الفتح بقرون جوهر بنيته السكانية (باستثناء مناطق الأغلبية الكردية)، وقد توزعت هذه القبائل على غالبية أنحاء ما يشكل اليوم حدود العراق، وهذه القبائل تعرضت بدورها إلى تغييرات مختلفة بالتحالفات والانشطارات.

وبرغم أن العراق سواء بسبب موقعه الجغرافي أو جاذبيته الدينية أو الحضارية أو موقعه كمركز اقتصادي أو عاصمة للعالم الإسلامي لأكثر من خمسة قرون، بسبب ذلك كله سكنته أقوام عديدة وذابت في كيانه الاجتماعي والسكاني ومنهم الأفغان والهنود والفرس والبلوش والشيشان والأتراك وسواهم.

لكن وجود هذه الأقوام إضافة للأقوام الأصلية القاطنة في العراق قبل الفتح الاسلامي مثل الآثوريين والأرمن والكلدانيين ناهيك عن الأكراد، برغم وجود كل هذه الأقوام فإن الطابع العربي للعراق لم يتغير سواء بسبب أن الغالبية العظمى من سكانه هم عرب أو لدور العرب ومكانتهم في بناء العراق والحفاظ على وجوده على مر التاريخ.

وقد مر النظام القبلي العربي في العراق باختبارات صعبة عديدة، وتعرض لاختراقات السلطات الحاكمة المختلفة، حتى وصل مع نهاية العهد العثماني إلى حالة واضحة من الضعف وصار في العديد من المناطق -ولاسيما بجوار المدن- في حالة متقدمة من التحلل، ولم يكن لأحد أن يخطئ في تلمس تراجع السلطة السياسية والعسكرية للمشايخ والأغوات (الأكراد) والبكوات، فقد دمرت الأحلاف والإمارات العسكرية وظهر محلها الكثير من العشائر والفروع العشائرية المتنازعة فيما بينها، وفي ولاية بغداد وحدها –وكانت واحدة من ثلاث ولايات يتألف منها العراق إداريا– كان هناك 110 عشائر مستقلة تضم 1186 فرعا عشائريا، وكان الكثير من هذه الفروع متحررا عمليا من سلطة العشيرة الأم (5).

ولم يكن مثل هذا الواقع مؤشرا على تراجع دور القبيلة لصالح المدينة كمظهر طبيعي للتمدن، لكنه كان تكريسا لهيمنة القبيلة بمعناها السلبي، حيث تراجعت سلطة وهيبة المدن وطغى دور القبيلة التي استحالت بسبب من هذا التغول إلى قبائل وفروع.

وحتى في مرحلة ما بعد تأسيس الدولة العراقية المعاصرة في عام 1921، فإن البريطانيين الذين حكموا البلاد فعليا حتى قيام الجمهورية في العام 1958، كانوا سببا في تعزيز سلطة شيوخ القبائل لحسابهم -ولاسيما بعد ثورة العشرين التي نبهتهم لما يمكن أن تفعله القبائل العراقية- لذلك عملوا على تحويل العديد من شيوخ القبائل إلى إقطاعيين وهي تجربة طبقها الأتراك من قبل.

ويسجل حنا بطاطو هذا الأمر بقوله "إن بنية المشيخة شبه الإقطاعية في عهد الانتداب لم تستمد قوتها من أية حيوية داخلية، بل كانت الحياة تضخ فيها اصطناعيا من قبل قوة خارجية لها مصلحة في ديمومتها، وبكلمات أخرى، فان المشايخ والأغوات، أو القسم الأكبر منهم على الأقل، لم يكونوا يحكمون بفضل قوتهم أو بفضل رغبة أو إخلاص فلاحيهم، بل بفضل رغبة الإنجليز وسماحهم"(6).

بهذه الطريقة -التي سبق وإن قام بها الأتراك العثمانيون في سبعينيات القرن التاسع عشر- تحول شيوخ القبائل أو بعض منهم من زعماء قتال وغزو إلى إقطاعيين وملاك أرض، وتحول أفراد القبيلة من مقاتلين إلى فلاحين أجراء هم إلى العبيد أقرب، وتجسد هذا الحال بأبشع صوره في حوض دجلة الجنوبي ولاسيما في محافظة ميسان (العمارة)، في حين كان الأمر أخف وطأة في حوض الفرات وفي شمال العراق، لذلك نرى أن ثورة العشرين انطلقت ابتداء بين قبائل هذا الحوض بدءا من قبائل الرميثة في الديوانية ثم اتسعت لتشمل معظم أنحاء العراق ولاسيما النجف والفلوجة وتلعفر.

"
أصبح خطر التقسيم أو التفتت أيا كان شكله قانونيا أم إداريا أم ديموغرافيا امرأ قائما وممكنا مع مخاطر أن تكون الكيانات الجديدة مقدمات لمشكلات أعظم
"
وبطبيعة الحال فقد تمركزت محاولات الإنجليز بعد تلك الثورة على القبائل التي شاركت فيها في محاولة لترويض شيوخها وبالتالي السيطرة عليها، وهو أمر لم يتحقق في كثير من الحالات، لكن الإقطاعيات الكبيرة استمرت خلال العهد الملكي ولم يقض عليها إلا بصدور قوانين الإصلاح الزراعي في العهد الجمهوري التي وزعت الأرض على الفلاحين.

إن تأثير هذا الوضع القاسي كان حادا بعد ذلك بعقود، فقد هاجر الآلاف من أبناء الجنوب ولاسيما العمارة هربا من الإقطاع الذي استباح إنسانيتهم لأجيال عدة ومن الجوع والفقر الذي وسم مناطقهم منذ ما قبل تلك الفترة.

هاجر هؤلاء في خمسينيات القرن الماضي إلى أطراف المدن وعلى وجه الخصوص بغداد، حيث سكنوا هناك في تجمعات من مدن الصفيح بلا أي شروط إنسانية، حتى قامت ثورة يوليو/تموز 1958، ليقوم زعيمها عبد الكريم قاسم ببناء مدينة لهم في شرق بغداد، وشق لهم ترعة طويلة لإحياء تلك المنطقة النائية آنذاك حفرها الجيش وسميت باسمه، فيما سميت المدينة الكبيرة الجديدة بمدينة الثورة، وهو الاسم الذي انقلب في ثمانينيات القرن الماضي إلى مدينة صدام ثم ليتحول بعد الاحتلال إلى مدينة الصدر.

مدينة الصدر هذه هي الغيتو الذي تضاعف سكانه عدة مرات من غير أن تتوسع المدينة ذاتها، وظل الناس فيها يعيشون بتقاليد عشائرهم المختلفة وهم في قلب العاصمة وكثير منهم توارث بؤسه الذي لم ينفع في إزالته انخراط معظم السكان في التعليم والوظائف العالية وإثراء الكثير منهم.

وفيما كان لميراث الألم والشقاء أثر في بروز عدد كبير من المبدعين ولاسيما بحقول الفن والثقافة في هذه المدينة، فإن الكثافة السكانية الهائلة شجعت التنظيمات السرية الشيوعية والشيعية على العمل في هذه البيئة الصالحة التي كانت في الوقت ذاته ملاذا نموذجيا للعصابات المختلفة قبل الاحتلال وبعده.

الدين والطائفة كمتغير للعلاقات الاجتماعية
بعد فتحه عام 15 للهجرة أصبح العراق مركزا لأحداث مفصلية في العالم الإسلامي جرت عقب الفتنة الكبرى بدءا من اختيار إحدى مدنه (الكوفة) في عهد الخليفة الرابع الإمام علي لتكون أول عاصمة للإسلام بعد المدينة، مرورا باختيار أرضه لتكون ساحة لأول حرب تجري بين المسلمين (الجمل وصفين) وصولا إلى ما حدث فيه من مجزرة بحق الإمام الحسين وآل بيته في كربلاء، وليس أخيرا بضمه لمدن كانت حواضر الإسلام والمسلمين لقرون مثل البصرة والكوفة والحلة وبغداد.

هذا المكان تلازم مع هذه المكانة لبناء نمط إنساني واجتماعي خاص. لم تكن الطوائف والمذاهب معروفة بعد، لكن انفتاح بغداد على الثقافات والأفكار والأقوام جعلها تشهد ولادة بواكير المذاهب الإسلامية المختلفة التي اندثر بعضها، غير أن ما يعنينا منها اليوم، وهما مذهبا أهل السنة والجماعة والمذهب الشيعي الاثني عشري (الجعفري) لم يعرفا بهذين الاسمين إلا في بداية القرن الثالث الهجري وفي نهايته على التوالي.

والحقيقة إن الديناميات الاجتماعية والدينية التي أدت إلى ظهور المذهبين، كانت طبيعية بل وضرورية لمواجهة الفرق الغالية التي ظهرت آنذاك (7)، لكن سيطرة أقوام أجنبية طائفية على سلطة الخلافة العباسية التي بدأت بالوهن تلاعبت بديناميات التطور الطبيعية.

ففي القرنين الرابع والخامس الهجريين سيطر البويهيون -وكانوا من الفرس الشيعة- على سلطة القرار في بغداد وهيأ حكمهم الفرصة لانتعاش المذهب الجعفري وظهور أشكال الغلو فيه مثل ظاهرة سب الصحابة، وإقامة طقوس العزاء في عاشوراء التي أثارت مشاحنات عديدة مع أهل السنة في بغداد حينذاك.

انهار حكم البويهيين في منتصف القرن الخامس الميلادي بدخول السلاجقة السنة إلى بغداد، لتتكرر دورة الأحداث بالاتجاه المعاكس، وبرغم أن الفترة السلجوقية لم تشهد الكثير من الأعمال الانتقامية من الشيعة فإن ما نشره البويهيون وبعدهم السلاجقة في العراق من مفاهيم وأنماط سلوك وضع بذور التوتر الطائفي التي كبرت بعد ذلك مع استمرار ضعف الدولة وخضوعها للمزيد من الأقوام الأجنبية.

ولم يكن المغول -الذين احتلوا بغداد في عام 656 هجري 1258 ميلادي واستباحوا أهلها- سنة أو شيعة أو مسلمين حتى، لكن دور الوزير العباسي ابن العلقمي في التآمر مع هولاكو وفتحه أبواب بغداد أمام جيوش المغول هيأ موضوعا كان يجري استخدامه في حالات التوتر الطائفي.

كان ابن العلقمي شيعيا واستخدمت خيانته وكذلك تعاون بعض رجال الدين الشيعة مع المغول (8) سببا للهجوم على الشيعة حتى يومنا هذا، وذلك برغم أن المغول لم يوفروا من عامة أهل بغداد سنيا أو شيعيا سواء بالقتل أو السبي أو العبودية.

كانت القرون التالية لسقوط بغداد فترة انهيارات شاملة استبيح خلالها العراق لأقوام أجنبية شتى فارسية أو تركية، لكن أشدها علاقة بالبعد الطائفي كانت دون شك الصفويون والعثمانيون اللذان تصارعا على ارض العراق وتهيأ لكل منها أن يحكمه لعقود أو قرون.

لقد أرسى استخدام الطائفية والعنف الطائفي في الصراع ألصفوي العثماني على أرض العراق نمطا أكثر خطورة في دائرة التوتر الطائفي، وبرغم أن العثمانيين -منذ أن فتح سليمان القانوني بغداد- حرصوا على نبذ الطائفية إلى حد كبير فإن ما كان قد حصل أيام الصفويين من تكريس لأنماط الغلو في التشيع إلى جانب ما شهدته بغداد خلال القرون الثلاثة التي تلت الغزو المغولي وهي فترة حكم الدويلات من انتشار للتصوف الذي فتح الباب واسعا أمام الغلو والتطرف الشيعي والسني.

"
لقد أرسى استخدام الطائفية والعنف الطائفي في الصراع الصفوي العثماني على أرض العراق نمطا أكثر خطورة في دائرة التوتر الطائفي
"
ولكن وبرغم كل هذا الاضطراب في العلاقة بين سنة العراق وشيعته فإن صراعا طائفيا واسعا لم يحدث في العراق أبدا، كانت بعض الأقوام الأجنبية تمارس العنف الطائفي بقسوة وهو ما فعله بشكل خاص الصفويون الذين قتلوا مئات الآلاف من السنة عند اجتياحهم بغداد عام 1623 ميلادي.

ورد الأتراك بعد خمسة عشر عاما بقتل نحو ثلاثين ألفا من الشيعة غالبيتهم فرس من جنود الحامية الصفوية، وقد يكون بعض العراقيين شارك في هذا المجزرة أو تلك، لكن حربا أهلية بالمعنى الحديث للمصطلح لم تجر في العراق لسبب طائفي، وظلت أسباب الكوارث التي حلت ببغداد خلال القرون الأربعة الأخيرة تعود إما إلى ما ذكرناه من مجازر يتولاها أو يديرها جيش الاحتلال، أو إلى أسباب طبيعية مثل المجاعات والأوبئة والفيضانات التي كانت تقضي في كثير من الحالات على معظم سكان المدينة (9).

والحقيقة أن محدودية مظاهر الصراع الطائفي لا تلغي وجود الطائفية ذاتها بل والتعصب الطائفي في بعض الأحيان، لكن لا يمكن تصور استمرار الوجود الشيعي بل وتوسعه في إطار المحيط السني الكبير ولاسيما خلال القرون الأربعة الأخيرة إلا بقبول سني.

إن التاريخ لم يتحدث أبدا عن اضطهاد منظم ومنهجي للشيعة في العراق على أساس انتمائهم الطائفي، بل إن الدولة العثمانية (السنية) سمحت بعمليات التشييع الواسعة النطاق التي جرت في العراق خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وشملت الكثير من القبائل العربية السنية القاطنة في مناطق جنوب البلاد المختلفة (10).

إن المتغير الطائفي لم يكن سببا جوهريا لتحريك الأحداث الكبرى في العراق برغم أنه قد يتأثر بها في بعض الأحيان، ومن ذلك نرى مثلا أن غالبية الضباط العراقيين الذين شاركوا في ثورة الشريف حسين في الحجاز ضد العثمانيين كانوا من السنة الذين درسوا العسكرية في إسطنبول، وبالمقابل فإن كثيرا من شيعة الجنوب العراقيين قاتلوا كمتطوعين إلى جانب العثمانيين عند نزول الجيش البريطاني في البصرة عام 1914، وكان هاجسهم الجهاد دفاعا عن الدولة الإسلامية ضد الإنجليز الكفار، وقد شارك في معارك البصرة تلك بعض من أهم علماء الشيعة آنذاك.

وبرغم أنه كان ضعيفا بالأساس فإن دور المتغير الطائفي تضاءل بشكل أكبر في العراق بعد ذلك بسنوات قليلة وتحديدا خلال ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني التي استمرت طوال صيف عام 1920، واعتمدت بشكل جوهري على القوة القتالية للقبائل العراقية الشيعية والسنية وهي لم تشهد فقط تحالفا قبليا تجاوز حدود الطائفية ضد عدو مشترك هو الاحتلال البريطاني، بل إنها شهدت أيضا تطورا هاما تجسد بمشاركة العديد من القبائل السنية في الفلوجة والمحمودية قرب بغداد في الثورة تلبية لفتوى الجهاد التي صدرت من المرجعية الشيعية في النجف آنذاك (11).

كانت ثورة العشرين في واقع الأمر مناسبة لإعادة رسم العلاقات السنية الشيعية، وتكريس الحالة الوطنية على حساب التعصب الطائفي، وقد تعزز ذلك بعد عامين حينما قامت مجموعات مما يعرف بـ(الإخوان) الوهابية التابعة لابن سعود بالإغارة على القبائل العراقية الشيعية جنوب الناصرية فقتلت المئات ونهبت الماشية والممتلكات. حينها عقد مؤتمر في كربلاء برئاسة المرجع الشيعي الشيخ مهدي ألخالصي، وقد كانت مشاركة شخصيات سياسة ودينية سنية من بغداد والموصل وتكريت وسواها سببا في ضمور الحالة الطائفية التي يمكن أن يولدها مثل ذلك الاعتداء، بل إن أبرز علماء الدين السنة في بغداد أصدروا فتوى شرعية عشية المؤتمر تجيز القتال ضد الوهابيين نصرة للمسلمين الشيعة (12).

ولم تسجل الفترة اللاحقة من القرن العشرين أية انقسامات اجتماعية على أساس طائفي، ولاسيما مع تزايد سلطة الدولة ومع تطور أهمية المدن وتوسعها على حساب السلطات التقليدية لزعماء العشائر ورجال الدين، وأيضا مع ظهور وانتشار المد الشيوعي في ثلاثينيات القرن الماضي ومن بعده المد القومي في الأربعينيات، وانشغال المجتمع العراقي بالصراع بينهما أو بين القوى الوطنية عموما وبين حكومات العهد الملكي المتحالفة مع البريطانيين أو في مرحلة لاحقة بين القوى الإسلامية الشيعية والسنية ضد الشيوعيين والقوميين على حد سواء.

ولم نجد خلال العقود الثمانية الأولى من القرن العشرين نمطا ما من الصراع الطائفي، بل وجدناه ضامرا مختبئا في قعر الكيان الاجتماعي، سواء للأسباب التي أشرنا إليها أو لأن العراق أساسا كان ومنذ القرن التاسع عشر قد بدأ الانفتاح على العرب وتحديدا على مصر وبلاد الشام، اللذين جاءته عن طريقهما رياح التحديث والتمدن، بعد أن ظل خلال القرون الثلاثة التي سبقت ذلك مشغولا بالصراع الكبير بين الصفويين والعثمانيين وما نتج عنه من منازعات ومذابح طائفية (13).

ثانيا: الدولة العراقية

"
كانت ثورة العشرين في واقع الأمر مناسبة لإعادة رسم العلاقات السنية الشيعية، وتكريس الحالة الوطنية على حساب التعصب الطائفي
"
ولدت الدولة العراقية المعاصرة من خلال جملة إجراءات بدأت في خريف عام 1920 بتشكيل حكومة مؤقتة كنتيجة مباشرة لتداعيات ثورة العشرين، ومن ثم تنصيب الأمير الحجازي فيصل بن الحسين ملكا على العراق في صيف عام 1921، ثم إجراء انتخابات لتشكيل مجلس تأسيسي في عام 1923، تلاها إقرار الدستور، وأخيرا ضم ولاية الموصل بما في ذلك المنطقة الكردية إلى العراق عام 1925 لتتكامل حدود العراق وشكله السياسي.

وواجهت الدولة العراقية الجديدة جملة تحديات رافقت نشوأها، فإلى جانب مشكلات المعاهدة مع بريطانيا وإقرار الدستور والاضطرابات المبكرة في مناطق الأكراد ومشكلة الآثوريين وكذلك مشكلة الموصل مع تركيا. إلى جانب كل ذلك واجهت الدولة مشكلة استيراد أشكال سياسية جديدة غريبة المنشأ إلى مجتمع قبلي مختلف عنصريا ودينيا تحكمه طبقة من المثقفين ثقافة تركية (14)، إضافة إلى مشكلة بناء بيروقراطية إدارية ونظام سياسي بعد قرون من الإهمال والتخلف.

والى جانب ذلك كانت أمام الملك الجديد مهمة إدماج نفسه في بيئة لم يرها من قبل واستيعاب ممانعة بعض مراكز القوى العراقية التقليدية التي أما إنها لم تكن مرتاحة لملك هاشمي حارب إلى جانب الإنجليز ضد الأتراك أو إنها كانت تسعى لنيل تاج العراق لنفسها، فضلا عن انتباه فيصل إلى الحاجة لإشراك الشيعة والأكراد في هيكل الحكم.

الطائفية والدولة العراقية
لم يكن الملك فيصل محسوبا على طائفة بعينها فهو كان سنيا من الحجاز، لكنه كان أيضا هاشميا من آل البيت (الفرع الحسني) وله بالتالي حظوة لدى الشيعة كما لدى السنة، وربما يكون قد خدم فيصلا أنه تولى ملك العراق في فترة انسجام طائفي وسيادة روح وطنية عقب ثورة العشرين وهو ما منع ظهور مشكلات طائفية واضحة وحادة أمامه.

وتشير مختلف المصادر إلى أن الملك فيصل كان مخلصا وجادا في إشراك الشيعة في الحكم والإدارة منذ البداية، برغم اتهامات بالطائفية وجهت إلى بعض مستشاريه أو موظفيه الكبار مثل ساطع الحصري -الذي استقدمه الملك من دمشق ليتولى أمور التعليم في البلاد- اذ يتهمه البعض بمحاربة الشيعة ومنعهم من تولي المناصب الإدارية.

والحقيقة أن الملك فيصل واجه عقبتين في بواكير عمر الدولة العراقية الحديثة في سعيه لإشراك الشيعة في مناصب وزارية وإدارية: الأولى أن الشيعة أنفسهم كانوا يحتقرون أي رجل منهم يقبل الاشتراك في الوزارة، فإذا تجرأ أحد منهم ودخل الوزارة نبذوه اجتماعيا وربما أهانوه، ويشمل ذلك بشكل خاص رجال الدين (15)، وامتد أثر ذلك إلى إحجام عامة الشيعة عن العمل حتى في الوظائف الحكومية.

أما العقبة الثانية فتتمثل في ندرة حملة المؤهلات العلمية من الشيعة في ذلك الوقت وبالتالي قلة عدد من يملكون معايير التعيين في وظائف الدولة، وقد عالج الملك فيصل ذلك بأن طلب إيجاد فرص دراسية استثنائية، وهو ما نفذه ساطع الحصري باستحداث الدراسات المسائية التي كان هدفها استيعاب الشيعة كبار السن الذين تجاوزوا العمر القانوني للدراسة، كما أن الملك امر بإقامة دورات سريعة مكثفة لتدريب الشباب الواعدين من الشيعة في الوظائف الحكومية ومنحهم فرصة الارتقاء السريع إلى مواقع المسؤولية (16).

وواجه سعي الدولة العراقية إلى إشراك الشيعة في العملية السياسية عموما معارضة علماء الدين في النجف والكاظمية، حيث أصدر هؤلاء عام 1922 فتاوى تحرم المشاركة في انتخابات المجلس التأسيسي، الأمر الذي أدى إلى نفي عدد منهم إلى خارج العراق (17).

كما انسحب على مجمل تعامل الشيعة مع الحكومة وعدم ارتياحهم للعمل في وظائفها، وربما يفسر هذا الأمر إقبال الشيعة على العمل الخاص بدلا من الوظيفة العامة، وبالتالي سيطرتهم حتى هذا اليوم على النشاط التجاري ولاسيما بعد خلو السوق العراقية من اليهود إثر هجرتهم إلى فلسطين مطلع الخمسينيات من القرن الماضي.

وحاول البريطانيون استخدام الطائفية لإرباك الملك فيصل ومنعه من الاستمرار في السعي لانتزاع سلطة القرار في البلاد، ففي العام 1927 وبينما كان الملك يطالب بالاستقلال وإقرار الخدمة العسكرية لتوسيع الجيش، سخر البريطانيون حزبا ذا منحى شيعي هو حزب النهضة لنشر مقالات في جريدته تتحدث عن المشكلات بين الشيعة والسنة، وتستعيد نزاعات الماضي وتنتقد السيطرة السنية على الحكومة. وقد أشار تقرير للاستخبارات البريطانية إلى إن المندوب السامي البريطاني كان يدعم هذا التحرك (18).

الدولة العراقية.. وسياسات التمييز
لم يتوفر بين الكتابات الخاصة بتاريخ الدولة العراقية ما يشير إلى أن هذه الدولة بنظمها المتتابعة قد انتهجت سياسة تمييز منظمة ضد الشيعة، وذلك برغم أن هنالك من يعتقد أن قانون الجنسية الذي صدر أواسط العشرينيات من القرن الماضي كان يتضمن أشكالا من التمييز ولاسيما تجاه من ينحدرون من أصول إيرانية حتى وإن كانوا من سكان العراق قبل تأسيس دولته الحديثة بوقت طويل.

وبغض النظر عن الظروف التي أدت إلى وضع قانون الجنسية آنذاك بهذا الشكل، أو طبيعة المواقف تجاهه، فإن الأمر المهم هو إن مثل هذا التميز -في حال وجوده- يستند إلى معايير غير طائفية حيث إنه يقسم العراقيين إلى أشخاص ذوي تبعية عثمانية أو إيرانية وليس بوصفهم شيعة أو سنة، كما إنه لم يكن يستند أيضا إلى معيار عرقي خالص للتمييز، والدليل أنه ساوى بين العرب والأكراد بعد ذلك في المواطنة.

ومن الواضح إن لميراث العلاقات الشائكة بين العراق بمختلف مراحله التاريخية وإيران كان له أثر في وضع ذوي التبعية الإيرانية ضمن إطار تمييزي خاص لا يمنحهم حقوق المواطنة الكاملة حتى لو كانت أصول البعض من هؤلاء عربية خالصة تم تغييرها تحت وطأة ظروف معينة في العقود التي سبقت تأسيس الدولة.

وباستثناء الحالة السابقة، فإن أبرز ما يمكن أن يوجه إلى النظم العراقية المتابعة هو محدودية التمثيل الشيعي في التشكيلات الحاكمة وهو ما يوصف بأنه شكل من أشكال التمييز، ولاسيما أنه يمارس ضد فئة تشكل أكثر من نصف سكان البلاد.

"
أبرز ما يمكن أن يوجه إلى النظم العراقية المتابعة هو محدودية التمثيل الشيعي في التشكيلات الحاكمة وهو ما يوصف بأنه شكل من أشكال التمييز
"
ويأخذ البعض على العهد الملكي ( 1921- 1958) مثلا أنه من بين 57 وزارة تم تشكيلها خلاله لم يترأس الوزارة غير خمسة فقط من الشيعة أو الأكراد، كما إن معظم المسؤولين الإداريين في المحافظات العراقية هم من السنة، فضلا عن أن 60% من أكثر القادة السياسيين أهمية في العراق خلال الفترة ذاتها كانوا من السنة مقابل نحو 25% للعرب الشيعة و15% للأكراد (19).

والأمر ذاته ينطبق على الجيش حيث شكل السنة غالبية هيئة ضباطه خلال العهد الملكي، فيما احتفظ الشيعة بالمراتب الأدنى ولاسيما بعد إقرار الخدمة الإلزامية عام 1934 حيث باتوا يمثلون غالبية أعداد الجنود وضباط الصف (20).

ومع التسليم جدلا بدقة هذه الأرقام والحقائق، فإنها تبدو طبيعية ومنطقية لسببين:

  1. إن قيادات الدولة العراقية عند التأسيس أسندت إلى (الضباط الشريفيين) الذين قاتلوا في الثورة العربية الكبرى تحت لواء الأمير(الملك) فيصل من أمثال نوري السعيد وياسين الهاشمي وجعفر العسكري وسواهم، إذ كان هؤلاء قد تلقوا تدريبا عسكريا وإداريا في الدوائر العثمانية وحظوا بثقة الملك فيصل بعدما رافقوه من الحجاز إلى سوريا ثم إلى العراق.
  2. إن الفتاوى التي أصدرها المراجع الشيعة والتي حرّمت أو فهم منها الدعوة إلى عدم المشاركة في العملية السياسية أو الانخراط في الجيش أو الوظائف العامة، كانت بدورها سببا في قلة عدد الشيعة المقبلين على الإدارة والجيش قياسا بنسبتهم السكانية، ولذلك سيطر العرب السنة وبشكل أقل الأكراد على المواقع القيادية في الدولة والجيش.

وقد كان هذا الواقع سببا في توالي إشكالية السلطة بعد ذلك حيث كان للجيش كما هو معروف دور حاسم في واقع الحكم والحياة السياسية بعد الإطاحة بالملكية، حيث تولى الضباط الأحرار السنة مواقع القيادة الأساسية بعد ثورة تموز 1958 برغم ان زعيم الثورة عبد الكريم قاسم كان نصف شيعي (لجهة والدته) وبرغم أن قيادة الثورة شكلت مجلسا رئاسيا شرفيا برئاسة شيعي وعضوية شخصين عربي سني وكردي.

واستمرت الهيمنة غير المطلقة للعرب السنة على مواقع السلطة عقب انقلابي 1963 و1968 للأسباب ذاتها، يضاف إليه انكفاء الأكراد عن المشاركة في أي جهد سياسي ببغداد بعد تمردهم المسلح، لكن الشيعة وبالإضافة إلى سيطرتهم على الحركة التجارية فإنهم كانوا قادة مؤسسيين لأبرز حزبين سياسيين في العراق خلال ذلك الوقت وهما الحزب الشيوعي وحزب البعث في ثلاثينيات القرن الماضي وأربعينياته على التوالي.

لقد أصبح الشيعة أكثر انخراطا في الأحزاب السياسية (السرية منها على وجه الخصوص)، وحازوا إمكانيات تعليمية جيدة ولم تعد الطائفية تمثل عندهم هاجسا جماعيا ضاغطا، لكن المؤسسة الدينية الشيعية بدأت تستشعر بعد ثورة 1958 مخاطر الشيوعيين الذين حازوا دعم عبد الكريم قاسم، وأصبح نشاطهم في قلب المدن الشيعية الفقيرة يهدد الزعامات الدينية ومكاسبها، فأصدر المرجع الأعلى السيد محسن الحكيم فتوى بتحريم الانضمام للحزب الشيوعي الأمر الذي جعل قاسم يرفع دعمه للحزب، ورعت المرجعية أيضا جهد السيد محمد باقر الصدر في إنشاء حزب الدعوة عام 1959 ليكون ندا للشيوعيين ويحاول استقطاب الجمهور الشيعي.

إن هذا الوضع الذي أسس للطائفية السياسية بشكل منظم لم يكن هدفه السلطة (علنا على الأقل) بقدر ما استهدف إدامة سلطة المراجع بين جمهورها التقليدي، حتى إن نوعا من التحالف نشأ بين حزب الدعوة والسلطة البعثية بعد عام 1963 ناهيك عن وحدة المصالح مع البعثيين والتيار القومي ضد الحزب الشيوعي وتشويه صورة عبد الكريم قاسم (21).

ولم تكن هناك أحداث دراماتيكية في العلاقة بين سلطة القوميين في الستينيات مع مرجعية الحكيم القوية، كما إن العلاقة استمرت مع السلطة البعثية بعد عام 1968، لكن بدء المشكلات مع إيران الشاه أثار خلافات بين نظام الرئيس أحمد حسن البكر والنجف، فالحكيم الذي كان على علاقة وطيدة بشاه إيران رفض إدانته كما طلب منه البكر بسبب عدائه للعراق ودعمه للتمرد الكردي، وهو الموقف الذي يعتبره البعض سببا لبدء الخلافات الصعبة بين الطرفين التي تفاقمت خلال السبعينيات.

جرت خلال ذلك العقد محاولات من الدولة للسيطرة على الأنشطة السياسية ذات البعد الطائفي مع استمرار الخلافات مع إيران، لكن الأمر تحول إلى علانية واضحة فيما عرف بقضية "خان النص" في عام 1977، حيث قمعت الأجهزة الأمنية محاولة لتحويل مسيرة زيارة تقليدية شارك فيها نحو ثلاثين ألف شخص في منطقة بين النجف وكربلاء إلى تظاهرة معادية للدولة وجرى رفع شعارات ضد النظام الحاكم وحزب البعث.

وشكلت تلك الحادثة مقدمة لصدام صعب بين السلطة وقوة سياسية شيعية تكرس خصوصا خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980- 1988)، وبلغ أوجه في أحداث ربيع عام 1991.

واستندت حملات النظام السياسي لقمع الأنشطة السياسية ذات البعد الطائفي الشيعي دوما إلى علاقتها التي كانت توصف بـ(العميلة) مع إيران، لكن إجراءات الحكومة شملت أيضا الأحزاب الدينية السنية والحركات السلفية التي ووجهت بشدة، ولذلك لا يمكن اعتبار الأمر من هذه الزاوية على الأقل دليلا على طائفية الحكم أو الدولة، بل كان ببساطة جزءا من صراع الحكم مع معارضيه السياسيين.

وهو ما حدث من قبل مع الشيوعيين ومع القوميين وكذلك مع البعثيين المنشقين، غير أن فترة حكم الرئيس السابق صدام حسين كانت شديدة الحساسية تجاه أي معارضة تتعامل مع قوة خارجية بغض النظر عن ماهيتها وطائفتها ولذلك كانت مواجهتها تجري بشكل أعنف بكثير من سواها.

وقد درج الكثيرون على التعبير عن تلك الفترة بوصفها تتويجا لسنوات طويلة من سياسات التمييز ضد الشيعة والأكراد، وتكرس هذا الأمر عقب الاحتلال، بل إنه كان إحدى مسوغاته ومقدماته الفكرية التي أشاعها كتاب وسياسيون عراقيون في الخارج، واستخدمتها الدعاية الأميركية والغربية بشكل واسع حتى غدت شكلا من البديهيات التي لم تقدم سوى أدلة ذات بعد عاطفي لم تثبتها جهة محايدة.

"
إن حجم العنف ونوعيته شديدة القسوة والحقد لا يمكن أن تكون مجرد نتاج لقمع تتهم به سلطة مضى على زوال حكمها أربع سنوات، ولو كان هذا العنف هو مجرد ردة فعل لحدث بعد الاحتلال مباشرة ، وهو ما لم يجر أبدا
"
والحقيقة أن استخدام الولايات المتحدة وسواها لهذا النمط الدعائي كواحد من مسوغات الاحتلال يجعل من مجادلته وتدقيقه قضية وطنية، وهو الأمر الذي يشمل أيضا مجمل تاريخ الدولة العراقية الحديثة التي جرى اتهامها بالتمييز خلال سنوات عمرها التي تجاوزت الثمانين، بل إن هناك من مضى أبعد من ذلك ليعتبر أن (مظلومية) الشيعة تعود إلى عصر صدر الإسلام بإغفال كامل للعديد من الوقائع التاريخية.

إن الاستنتاج الذي يمكن أن يصل إليه كل من يسترجع وقائع فترة حكم البعث الثانية (1968- 2003) ولاسيما بالنسبة للأجيال التي عاشتها كانت تشير دوما إلى أن سياسة التمييز الطائفي لم تحظ أبدا بأدلة كافية ومنطقية وغير مسيسة، وحتى مع الادعاءات بقضايا مثل القمع في الجنوب والمقابر الجماعية، فإن روايات مضادة أخرى تنسف الكثير من أسس هذه الادعاءات لكنها لم تجد لها مكانا وسط جوقة الدعاية الهائلة التي رافقت الاحتلال، ومع غياب من يدافع أو يسمح له بالدفاع عن تلك الفترة.

ويجري استخدام قرار إبعاد عشرات الألوف من ذوي التبعية الإيرانية عن العراق خلال الحرب العراقية الإيرانية بوصفه أبرز مثال على التمييز، ولاسيما أنه صدر بقرار من مجلس قيادة الثورة وجرى تنفيذه بطريقة سريعة من غير مراعاة للكثير من الاعتبارات الإنسانية، غير أنه وبغض النظر عن ظروف اتخاذ ذلك القرار أو تداعياته الإنسانية، فإنه لا يعبر أيضا عن سياسة تمييز طائفية بقدر ما يرتبط بعلاقات شائكة ومعقدة مع إيران وخلال حرب ضروس معها، بمعنى أن هؤلاء لم يبعدوا لأنهم شيعة بل لأنهم من (تبعية إيرانية) كما جاء في أصل قرار الإبعاد.

وأهم من ذلك كله إن سياسات التمييز ليست هي بالضبط سياسات القمع، إذ إن نظام البعث قد يكون قاسيا بل وقمعيا مع معارضيه (الشيعة وغيرهم) ممن حملوا السلاح ضده، وهو قمع ازداد مع من تعاون مع  الخارج ولاسيما إيران، لكن هذا النظام لم يكن قد اعتبر بأي شكل الشيعة آو الأكراد مواطنين من الدرجة الثانية، ولعلنا نذكر هنا أن نحو 70% من أعضاء حزب البعث في العراق كانوا من الشيعة، كما أن حقائق التعامل الحكومي اليومي مع السكان العراقيين، والتوزيع الطائفي للتنمية والخدمات والوظائف كان يؤشر تماما عكس ما تردده دعاوى التمييز والمظلومية.

لقد حظي الجنوب ذو الأغلبية الشيعية برعاية فاقت في بعض الأحيان ما تلقته مدن الوسط ذات الأغلبية السنية وفي هذا الخصوص اقتبس نصا لكاتبين أميركيين أسهبا في انتقاد نظام الرئيس صدام حسين ثم قالا "مع الاستثناء الشاذ كانت الأكثرية الشيعية مبعدة من السلطة السياسية، ولكنها كانت مشمولة في آلية التوظيف الواسعة التي توصلت إليها الدولة في هذه الفترة. وفي مستهل الثمانينيات كان عدد موظفي الدولة يزيد عن مليون وربع المليون وإذا أضفنا إليهم من يعيلون وأفراد الجيش الشعبي والقوات المسلحة المتعددة، كان يقدر أن الدولة العراقية تتحكم مباشرة بدخل أكثرية السكان. للمرة الأولى في تاريخ العراق كان النظام قد أسس هيكل دولة واسعا بما يكفي ليشمل الأكثرية الشيعية. في الفترة ما بين 1968- 1988، تحسنت الأحوال المادية للأكثرية الشيعية بشكل ملحوظ. ولم يكن هذا مجرد مسألة برادات أو أجهزة تلفزيون مجانية. في نهاية السبعينيات، كانت نسبة الشيعة الذين تتاح لهم إمكانية التعليم تساوي تقريبا نسبة السنة. في المناطق المأهولة بالشيعة بصورة مطلقة من الجنوب، كان هناك في السبعينيات من المستشفيات للفرد الواحد أكثر مما كان في المناطق التي يهيمن عليها السنة في الشمال والوسط. أما الأكراد فكان حالهم أقل مستوى، لكن مع ذلك كانت هناك تحسينات بحلول 1978، كانت نسبة الأطفال الذين يذهبون إلى المدارس في المناطق الكردية مساوية لنسبتها في المناطق الأخرى من العراق. وكان هناك من المستشفيات للأكراد بالنسبة للفرد الواحد من السكان أكثر مما كان للشيعة أو للسنة." (22).

خلاصات وأحكام ختامية

من الصعب الوصول إلى نتائج نهائية قاطعة بشأن ما حدث في العراق وللعراق حتى أوصلنا إلى أزمته الراهنة المفجعة، إن حجم العنف ونوعيته شديدة القسوة والحقد لا يمكن أن تكون مجرد نتاج لقمع تتهم به سلطة مضى على زوال حكمها أربع سنوات، ولو كان هذا العنف هو مجرد ردة فعل لحدث بعد الاحتلال مباشرة، وهو ما لم يجر أبدا، بل إن الفترة التي تلت الاحتلال ظلت فيها الطائفية تعد تهمة اجتماعية كما كان الأمر دوما في العراق المعاصر.

كما إن الكلام عن مخزون حقد عمره ثمانون عاما أو ألف وأربعمائة عام ليس صحيحا أيضا، لأن الأمر لم يكن أبدا مثلما يروج له، ولأن السياقات الاجتماعية التي كونت تاريخ الشعب العراقي هي أكثر تعقيدا بكثير من التسطيح الذي يطرحه أصحاب هذه الرؤية الطائفية في الغالب.

"
إن العراق كان لنحو ألف عام وإلى اليوم ضحية للتدخلات والغزوات الأجنبية وإن هؤلاء عبثوا بكيانه الاجتماعي وتوازناته الطبقية والطائفية وسعوا لمسخ هويته وشخصيته الحضارية
"
ما الأمر إذا؟ أعتقد بعد ما استعرضناه من وقائع وأفكار أن مشكلة العراق الأساسية كانت على الدوام وبلا استثناءات ذات قيمة هي مشكلة علاقته بالآخرين، أو بشكل أدق مشكلة علاقة الآخرين به.

أستطيع أن أقول بثقة إن العراق كان لنحو ألف عام وإلى اليوم ضحية للتدخلات والغزوات الأجنبية وإن هؤلاء عبثوا بكيانه الاجتماعي وتوازناته الطبقية والطائفية وسعوا لمسخ هويته وشخصيته الحضارية، وكان أحد السبل الأساسية لتحقيق ذلك هو استثارة العنف أو ممارسته، ولم يكن ذلك صعبا، فإن لم يقتل العراقيون بعضهم يمكن قتلهم بأيادي الآخرين. هكذا فعل المغول والصفويون في السابق، وربما يكون هو ما يحصل اليوم ولو جزئيا.

وعلى أي حال وبغض النظر عن هوية القتلى والقتلة فإن مقدار العنف الحالي في العراق ونوعيته لم يحدثا من قبل إلا في فترات الغزو الخارجي ومن أجل تحقيق أهداف بعينها وليس من أجل القتل فقط. إن العنف الأقصى هو محاولة لتغيير وقائع ثابتة على الأرض وفي داخل الكيان الاجتماعي وكذلك في بنية الدولة، تماما كما أن كثيرا من الحروب تندلع من أجل إيجاد أرضية لاتفاقات تعيد تشكيل حدود الدول وعلاقاتها ببعضها.

إن العراقيين لم يتقاتلوا أبدا على أساس طائفي، كانت الأمور تحتقن في بعض الأوقات ويبلغ التطرف مدى خطيرا لكنه لم يصل أبدا إلى التصفية على أساس طائفي إلا بتوجيه أو مشاركة من غزاة أجانب وهو ما مارسته جيوش إسماعيل الصفوي وسليم الأول.

القضية الأخرى هي أن العراق كان يمرض ويتردى اجتماعيا واقتصاديا وحضاريا كلما اتجه نحو الشرق أو الشمال وأعني إيران وتركيا، لكنه يستعيد عافيته ودوره الحضاري كلما اتجه نحو الغرب أو الجنوب، نحو حاضنته العربية، إن التاريخ يحدثنا عن ثلاثة قرون جدباء من الفشل عاناها العراق والعراقيون وهم يراقبون ويعانون من الصراع الصفوي العثماني على أرضهم، لكنهم ما إن بدؤوا يطلون مع القرن التاسع عشر باتجاه عمقهم العربي نحو بلاد الشام ومصر، حتى شموا رائحة العافية والتمدن، وهكذا فحينما جاء القرن العشرون كان المجتمع العراقي قد استعاد شيئا من وطنيته التي جعلته مؤهلا للقيام بثورة العشرين التي صفعت بتفاصيلها دعاة الطائفية أو الذين يكتبون تاريخ العراق بمنهج طائفي.
_______________



كاتب وباحث عراقي

الهوامش
1- نشرت مجلة لانسيت العلمية البريطانية في أكتوبر/تشرين الأول 2006 بحثا أجرته جامعة جون هوبكنز الأميركية أظهر أن عدد القتلى في العراق منذ الغزو يقدر بنحو 655 ألف شخص  وقالت إن الرقم الدقيق قد يكون أكثر من ذلك. وقد رفضت الحكومتان الأميركية والعراقية هذه التقديرات.
2- م. ماكيفر، شارلز بيدج، المجتمع، ج1، مكتبة النهضة المصرية، ط3، القاهرة، 1974، ص16.
3- بشير موسى نافع، العراق: سياقات الوحدة والانقسام، دار الشروق، القاهرة، 2006، ص172.
4- راجع للتفصيل: حنا بطاطو، العراق.. الطبقات الاجتماعية، الكتاب الأول، ترجمة عفيف الرزاز، مؤسسة الأبحاث العربية، ط2، بيروت، 1995، ص31.
5- المصدر السابق، ص104.
6- المصدر السابق، ص126.
7- راجع: بشير نافع، مصدر سابق، ص34 وما بعدها.
8- راجع: المصدر السابق، ص62-64.
9- للتفصيل بشأن الكوارث التي حلت ببغداد خلال القرون 17-19 راجع: حنا بطاطو، مصدر سابق، ص34.
10- شملت هذه الحملة العديد من العشائر التي لها فروع أخرى في غربي العراق وشماليه والتي ظلت سنية، ومثال ذلك عشيرة شمر طوقة التي سكنت على دجلة جنوب بغداد وكانت الفرع الشقيق لعشيرة شمر جربة التي سكنت قرب الموصل، وكذلك عشيرة آل فتلة وهم فرع من عشائر الدليم السنية سكن أبناؤها في مناطق الفرات الأوسط، وشمل التشييع أيضا عشائر أخرى مثل فرع من الجبور وسواها. للتفصيل ، راجع: بشير نافع ،مصدر سابق، ص61-62.
11- من بين هذه القبائل الجنابيين في المحمودية وزوبع القاطنة بين الفلوجة وبغداد والأخيرة كان يرأسها الشيخ ضاري المحمود الذي أصبح من أشهر رجال ثورة العشرين بعد أن قتل أقوى قادة الإنجليز في العراق آنذاك العقيد لجمن، وقد نقل عنه في أكثر من مناسبة دفاعه عن المرجعية والشيعة عموما ورفضه محاولات الإنجليز اللعب على الورقة الطائفية ، وقد كان الشيخ ضاري أول من استجاب من خارج القبائل الشيعية لفتاوى المراجع في النجف بالجهاد ضد البريطانيين، وحينما هرب من مطاردة البريطانيين بعد إخماد الثورة لجأ إلى قبائل شيعية في الفرات الأوسط حيث ظل هناك بضع سنوات قبل أن يلتحق بعشيرته التي لجأت إلى نصيبين. راجع للتفصيل: علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، الجزء الخامس2، مطبعة الأديب، بغداد، 1978، ص66.
12-  للتفصيل بشأن مؤتمر كربلاء والشخصيات التي حضرته وكذلك موقف الإنجليز الرافض له، راجع: علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، الجزء السادس1، مطبعة الأديب، بغداد، 1976، ص132-146.
13- علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، الجزء الثاني، مطبعة الإرشاد، بغداد، 1971، ص3.
14- راجع بخصوص تفاصيل تلك المرحلة: أديث وائي، إيف بيزوز، العراق: دراسة في علاقاته الخارجية وتطوراته الداخلية، ترجمة: عبد المجيد حبيب القيسي، ج1، الدار العربية للموسوعات، بيروت، 1989، ص121.
15- علي الوردي، الجزء السادس 1، مصدر سابق، ص30.
16- حنا بطاطو، مصدر سابق، ص44.
17- راجع نصوص تلك الفتاوى وتفاصيل المعارضة الشيعية للعملية السياسية عند تأسيس الدولة العراقية في: علي الوردي، الجزء السادس 1، مصدر سابق، ص201-204. وكذلك راجع: ستيفن همسلي لونكريك، العراق الحديث، ترجمة سليم طه التكريتي، الجزء الأول، بغداد، 1988، ص244-246.
18- حنا بطاطو، مصدر سابق، ص364.
19- ليام أندرسن، غاريث ستانسفيلد، عراق المستقبل ، ترجمة رمزي بدر، مراجعة وتقديم ماجد شبر، دار الوراق للنشر، لندن، 2005، ص52-53.
20- المصدر السابق، ص53.
21- المصدر السابق، ص226.
22- المصدر السابق، ص 152.

عودة لملتقى العراق

المصدر: الجزيرة
احفظ وشارك طباعة الصفحة إرسال المقال
من موقع الأخبار
الرؤية والأهداف|اتصل بنا|تقدير موقف|تقارير|ملفات|قضايا للحوار|أوراق الجزيرة|فعاليات|منتدى المشرق|عالم الكتب