عرض: إبراهيم غرايبة
تواجه الرواية العربية مجموعة من التحديات التي بقدر النجاح في مواجهتها يكون النجاح في رواية عربية لها حضورها العالمي. فكيف تكون للعرب روايتهم التي تنبع من همومهم ومحيطهم وناسهم ولغتهم؟ ثم كيف نتعامل مع زمن التحولات الكبرى الذي نعيشه اليوم؟
تلك هي الموضوعات وغيرها التي يحاول عبد الرحمن منيف الروائي السعودي الجنسية الأردني المولد والمنشأ العراقي ثم السوري الإقامة والذي كتب مجموعة من الروايات لقيت انتشارا وإقبالا عربيا كبيرا مثل "أرض السواد" (ثلاثة أجزاء)، و"مدن الملح" (خمسة أجزاء) و"الأشجار واغتيال مرزوق" و"شرق المتوسط" و"سباق المسافات الطويلة".
|
-اسم الكتاب: رحلة ضوء: تحديات تواجه الرواية العربية -المؤلف: عبد الرحمن منيف -عدد الصفحات:223 صفحة -الطبعة: 2001 -الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر, بيروت والمركز الثقافي العربي للنشر والتوزيع، الدار البيضاء | |
ومن أبرز هذه التحديات التي يناقشها منيف: لغة الحوار: أي لغة نختار، والشخصية كيف يتم اختيارها وكيف ستحيا وتموت، والتاريخ في الرواية ليس مجرد أخبار ومعلومات عن ماض انقضى بل هو حاضر بقوة في تشكل وعينا وتجاربنا وخياراتنا في الحاضر والمستقبل، وأثر التلفزيون في الرواية والكتاب.
البطولة
شكلت رواية المغامرة البداية الأولى للرواية وفيها اكتسب البطل معنى وملامح محددة ظلت ملازمة للرواية مدة طويلة، فالأحداث والمسارات والأشخاص كلها تصب في خدمة البطل المركزي، ويقزم الأبطال الثانويون ويقلل من ذكائهم وقدرتهم على التصرف من أجل إظهار عظمة البطل المركزي وعبقريته، والعنصر النسوي حين يظهر في مثل هذه الروايات فإنه تعبير عن مكافأة أو تتويج للبطولة المركزية، فالمرأة التي يتنافس عليها الرجال أو التي تبذل وتناضل فإن ذلك كله من أجل الظفر بإنسان يفوق الآخرين في صفاته، ولذلك فإن نضال المرأة هو نضال لبلوغ هدف سام ونبيل ويستحق أن تحظى بموافقة وعطف هذا الإنسان النادر المثال.
واختارت الرواية التاريخية النماذج الأكثر حضورا وإيحاء ولجأت إلى إعادة التركيب والتكوين ضمن نسق يجعل البطل التاريخي بديلا مناسبا، وهكذا أصبحت الرواية التاريخية بأحد معانيها وفي مرحلة من مراحلها صيغة بديلة عن رواية المغامرات، ولقيت إقبالا وهوى عند الذين لم يصبحوا أبطالا بعد وعند الشرائح التي تبحث عن بطولة من نوع معين في محاولة لتفسير ما يجري.
” مفهوم البطولة والمساحة التي تحتلها وكيفية النظر إليها والتعامل معها يجب أن يخضع لاعتبارات ومقاييس تتطور وتتغير بين فترة وأخرى، الأمر الذي يجعل الرواية العربية أمام تحديات تتطلب التوقف والتأمل والمناقشة وأيضا ابتداع أساليب لتطويرها ” |
ومع التطور التاريخي والحضاري بدأت تظهر بطولات الكتل والجموع والناس والأفراد الذين في القاع، ولم تعد البطولة تقتصر على البشر بل امتدت إلى الأماكن والحيوانات والأشياء، فالجسور في كتابات "إيفواندرتيش" الكاتب اليوغسلافي الحاصل على جائزة نوبل تتحول إلى أبطال بكل معنى الكلمة حتى ليبدو البشر شهودا على عظمة هذا الكيان الثابت القوي. وفي رائعة همنغواي "الشيخ والبحر" لا تقل السمكة في بطولتها عن الصياد الذي يصطادها، وكذلك الأمر عن جبروت القحط في رواية "عناقيد الغضب" لشتاينبك، وكذلك الحوت موبي ديك في رواية "ملفيل"، والزمن هو البطل في رواية فولكنر "الصخب والعنف".
فمفهوم البطولة والمساحة التي تحتلها وكيفية النظر إليها والتعامل معها يجب أن تخضع لاعتبارات ومقاييس تتطور وتتغير بين فترة وأخرى، الأمر الذي يجعل الرواية العربية أمام تحديات تتطلب التوقف والتأمل والمناقشة، وأيضا ابتداع أساليب لتطويرها.
لغة الحوار
الحوار في الرواية ركن أساسي من أركانها تتكون عن طريقه قسمات الشخصية وتكتسب المواقف قوة الإقناع. ومن التحديات الكبيرة التي تواجه الروائي العربي كيفية النظر إلى اللغة، وكيفية إجراء حوار بين الشخصيات، ومن ذلك الاستفادة من اللهجات واستخدامها مع الفصحى، والسعي في هدم الفجوة بين المشرق والمغرب العربيين.
” استطاع نجيب محفوظ أن يقدم للرواية العربية إنجازات بارزة ومهمة في لغة الحوار ولكن مازال السؤال قائما وملحا: كيف يجب أن يجري الحوار بين شخصيات الرواية؟ ” |
وقد خطت الرواية العربية على يد كتاب مثل طه حسين وتوفيق الحكيم والمازني إلى لغة عصرية رشيقة، ولكن الحوار رغم ما اتسم به من مرونة وتقدم بقي غير قادر على نقل نبض الحياة الحقيقية.
لقد بقيت الفجوة كبيرة بين الشخصية واللغة التي تستعملها، مما جعل السارد ينوب عن الشخصية في التعبير عما تريد أن تقوله وتشعر به.
وقد استطاع نجيب محفوظ أن يقدم للرواية العربية إجازات بارزة ومهمة في لغة الحوار ولكن مازال السؤال قائما وملحا: كيف يجب أن يجري الحوار بين شخصيات الرواية؟
المدينة في الرواية العربية
أغلب ما كتب عن المدن العربية كان إجماليا، ولا تعكس واقعها الحي ونسيجها المتداخل، والمكان في الرواية العربية مستمد من الذاكرة أكثر مما هو معرفة أو معاينة مباشرة، وتبتعد الصورة الواقعية لتحل مكانها صورة مفترضة وتكون مزيجا من الرغبة والحلم والواقع، ولا يعرف إن كان الكاتب يتعامل مع مكان واقعي أو متخيل وما إذا كان يقصد هذه المدينة أو مدينة أخرى أو ربما مدينة متخيلة بالمطلق.
” الرواية هي بنت المدينة، ولكن معظم الذين كتبوا عنها هم من الذين اتخذوها متأخرين موطنا لهم فكانت نظرتهم إلى المدينة نظرة من الخارج تغفل عن الكثير ” |
والرواية هي بنت المدينة، ولكن معظم الذين كتبوا عن المدينة العربية هم من الذين اتخذوها متأخرين موطنا لهم فكانت نظرتهم إلى المدينة نظرة من الخارج تغفل عن الكثير، والمدينة عصية مغلقة تحيط نفسها بقشرة قاسية ولا تعطي أسرارها للوافد الجديد.
وهكذا نرى أن صورة المدينة في الرواية العربية ما تزال مشوشة غائمة لأنها مزيج من الريف والموقف الرافض، ولأنه لم يتم التقاط المفاصل الحقيقية أو المظاهر التي تشكل المعالم الأساسية، وما نحتاجه هو الحديث عن مدن الحاضر لا مدن الماضي والوهم.
الشخصية
رغم أن الشخصية الروائية من صنع الكاتب فإنها بعد خطوات في الرواية تصبح لها حياة مستقلة بغض النظر عن النوايا أو الأهداف التي رصدها لها الروائي، ولذلك فمن العسف أن تأخذ هذه الشخصية منذ البداية ملامح كاملة، ولكنها تتطور وتتغير تبعا لعدد غير محدود من العناصر.
إن الشخصية الروائية تشبه البذرة من بعض النواحي، فهي عرضة لاحتمالات عديدة ومعقدة وكل احتمال له شروطه ونتائجه، وهذا ما يجعل فلاحا يختلف عن آخر ومحصولا يختلف عن غيره.
ومن الضروري أن تكتسب الشخصية الروائية صفاتها نتيجة الممارسة وبشكل متدرج أي أن تصل إليها عن جدارة وبسبب الأفعال التي يولدها الحدث الروائي لا نتيجة ما يضفيه عليها الروائي من صفات، وهذا يعني مقدارا من الحياد العاطفي بين الروائي وشخصياته بحيث يتاح للقارئ أن يستنتج الصفات لا أن يلقنها، ويقتضي أيضا مسافة بين الروائي وهذه الشخصيات للتعرف ضمن شروطها، فالشخصية الروائية قطعة من الحياة أو هكذا يجب أن تكون.
السيرة الذاتية والرواية
يقول كولريدج إن حياة أي إنسان مهما كانت تافهة ستكون ممتعة إذا رويت بصدق، ومعنى ذلك رغم وضوحه أن المتعة تحتاج إلى صدق وطريقة فنية لأن الفن إذا خلا من المتعة لا يعود فنا.
وتتضمن السيرة عادة قدرا من الدقة والتفاصيل والمشاعر تفوق الرواية الأخرى، فما يهم كاتب السير رواية ما حصل بالفعل بغض النظر عن فخامة اللغة ورنين الكلمات، وهذا ما يفسر التعاطف الذي تحظى به السيرة الذاتية لدى كثير من القراء.
” الفن وبخاصة الرواية ليس مجرد التعبير عن الذات أو تقديم اعتراف، فالرواية تبني عالما حافلا بالتناقض والصراع ولا تكون حياة الراوي إلا مفردة ضمن مفردات عديدة ” |
ولكن الفن وبخاصة الرواية ليس مجرد التعبير عن الذات أو تقديم اعتراف، فالرواية تبني عالما حافلا بالتناقض والصراع ولا تكون حياة الراوي إلا مفردة ضمن مفردات عديدة.
إن جزءا من الراوي موجود غالبا في كل رواية يكتبها، ولكن هذا الوجود خفي وموزع في جوانب الرواية كلها، أي أنه ذائب في كل جزء دون أن يعلن عن نفسه ودون أن يشعر القارئ بثقله.
وقد ينجح الراوي في استعادة سيرته الذاتية أو جزءا منها في أعماله ولكن عليه أن يكون حذرا مقتصدا حين يستعين بسيرته الذاتية لأنه إذا فعل ذلك مرة ونجح فلا يعني أن طريق الرواية سالك أمامه، فهذا النجاح يشبه إلى حد كبير لعبة الحية والسلم، إذ يقود بعض السلالم إلى الأعلى، ولكن بعضها الآخر يقود إلى الهاوية.
التاريخ كمادة للرواية
يعتبر التاريخ من أكثر الموضوعات عرضة للتزوير والتحريف، فكتابته تصدر عن ثقافة أو عن قناعة سابقة، وفي أغلب الأحيان فإن من يكتب التاريخ ويقدمه للآخرين هو المنتصر المشغول بعبقرييه وغير المدرك لتضحيات المهزوم وبطولته، وحتى المهزومون وهم يكتبون تاريخهم فإنهم يتعاملون مع الماضي بهدف تصدير احتمالات النصر إلى المستقبل.
والرواية التاريخية تعتمد على مادة تاريخية ولكنها ليست التاريخ بحد ذاته كما أنها ليست بديلا عنه ولكنها وسيلة للبحث التاريخي والتحقق والتأكد من صحة الوقائع.
تلجأ الرواية التاريخية إلى البشر أكثر مما تلجأ إلى الأحداث وتعنى بأفعال الناس وردود أفعالهم الإنسانية والاجتماعية التي جعلتهم يفكرون ويتصرفون بهذا الشكل أو ذاك، وتصور الحياة الشعبية أكثر من تصويرها الشخصيات الكبيرة والهامة، والأشخاص الثانويون أكثر إثارة لاهتمام الروائي، ولذلك نلاحظ أن أكثر الروايات التاريخية تعتني عناية خاصة بالحياة الشعبية والأشخاص العاديين، وتعرض الأماكن الخلفية البعيدة عن القصور، ونكتشف ونتعرف إلى الحياة التي كانت قائمة دون تزييف ودون فرض.
ولكن المادة التاريخية المتاحة للروائي قد تكون فخا في الوقت نفسه فإذا لم تقدم الرواية إضافة نوعية لقراءة التاريخ وفهمه وإلى الرواية نفسها فإنها تتلاشى كما حدث للكثير من الروايات العربية.
والصدق في الرواية التاريخية لا ينسحب على التفاصيل الفردية واليومية والشخصيات الكثيرة، وليست مهمة الروائي أن يعكس مقولات المؤرخين ولا تسلية الأغنياء وتحويل التاريخ إلى أعجوبة.
والكتابة بلغة قديمة مهجورة بهدف الإيحاء بالصدق والدقة يوقع الرواية التاريخية في مأزق، فيقول غوركي متحدثا عن اللغة: إن الكاتب الذي يتحدث عن طفولته لا يتحدث بلغة الأطفال، بحجة الصدق وإنما يتحدث بإحساس الطفولة، بالطريقة التي يفكر فيها الأطفال، وهذا ما يجسد الطفولة ويجعلها صادقة. 
الزمن الذهبي للكتابة
من المهم أن يجري الروائي عملية تدوين وتثبيت للأفكار والمعلومات ولا يعتمد على الذاكرة وحدها، وإذا لم يجر هذا التدوين في الوقت المناسب فإن جزءا كبيرا من تراثنا الثقافي سيتبدد، ولأن كثيرين يخافون التدوين أو يؤجلونه لأمد غير محدد فإن النتائج تكون مؤسفة أو على الأقل تكون ضئيلة.
لقد كتب عباس بغدادي كتابه "بغداد في العشرينات" بعدما تجاوز الثمانين من عمره، وأنجز كتابا نادر المثال، ونظرا لما لقيه الكتاب من الاهتمام ولأن لدى عباس بغدادي ما يقوله أيضا وأدركته رغبة ثم حرقة الكتابة فإنه الآن يشكو مر الشكوى لعدم قدرة جسده على تلبية رغباته. عباس بغدادي واحد من كثيرين، فلو اتخذ قرارا مبكرا وفعل من يماثله الذين عاشوا ورأوا لكسبنا أشياء كثيرة، وهكذا يصبح التدوين وتوقيت الكتابة عنصرين أساسيين لإثراء الثقافة.
سلطة التلفزيون
” لقد وافق التلفزيون الميل إلى الكسل والارتخاء وأسهم في تكوين عادة قاهرة مستبدة تجعل الناس يبددون أوقاتهم في النظر ببلاهة وكسل إلى الشاشة الآسرة التي يكاد دورها يقتصر على تقديم التسلية والترفيه وشغل الناس وصرفهم عن الجاد المهم والمفيد ” |
يمارس التلفزيون في الدول العربية دورا سلطويا يعزز الكسل والتفاهة ويحارب الكتاب والثقافة الجادة، والكتاب تزداد تكلفة طباعته ونشره فيزداد ثمنه في السوق ليكون أكبر من قدرة الناس، وهذا يجعل دائرة حركته ضيقة وبطيئة في الوقت الذي يلقى التلفزيون دعما متزايدا ويحظى بتسهيلات كبيرة مما يوسع فرص الإقبال عليه واعتماده وسيلة للثقافة والتلقي والمتعة مما يخلق عادات وتقاليد في طريقة تلقي الثقافة أو البحث عن المتعة.
لقد وافق التلفزيون الميل إلى الكسل والارتخاء وأسهم في تكوين عادة قاهرة مستبدة تجعل الناس يبددون أوقاتهم في النظر ببلاهة وكسل إلى الشاشة الآسرة التي يكاد دورها يقتصر على تقديم التسلية والترفيه وشغل الناس وصرفهم عن الجاد المهم والمفيد.
والثقافة في التلفزيون إذا حضرت فهي في آخر درجات السلم، والمواد التي تقدم ثقيلة وبليدة تبعد المشاهد، ولو توافر للقائمين على التلفزيون إرادة ورغبة لخدمة الثقافة والكتاب لكان أهم وسيلة في ترويج الثقافة ونشر الكتاب ولكن يبدو أنه لم تتوافر بعد هذه الإرادة أو الخطط التي تجعل الكتاب والتلفزيون متكاملين يخدم بعضهما بعضا ويخدمان معا الثقافة والاحتياجات الحقيقية للمجتمع.