كامبردج بوك ريفيوز
"بعد الإمبراطورية" آخر كتاب للفرنسي إمانيول طود وقد لقي رواجاً في فرنسا وحقق مبيعات كبيرة، وكان محل نقاش واسع، خاصة أن مؤلفه تميز بتحليلاته ذات التوقعات الصحيحة. فلقد توقع انهيار الاتحاد السوفياتي في كتاب صدر له عام 1976.
يعرض "ما بعد الإمبراطورية" إلى انكشاف القوة الأميركية والتحول التدريجي لأميركا من قوة عظمى إلى قوة كبرى، وإلى تفكك النظام الأميركي حيث أصبحت أميركا بحاجة إلى العالم أكثر من حاجة العالم إليها.
|
-اسم الكتاب: بعد الإمبراطورية: محاولة حول تفكك النظام الأميركي -المؤلف: إمانيول طود -عدد الصفحات: 233 -الطبعة:الأولى 2002 -الناشر: غاليمار - باريس | |
يفتتح المؤلف كتابه بجملة قوية: "إن الولايات المتحدة في طريقها لأن تصبح مشكلة بالنسبة للعالم". فبينما "اعتدنا أن نرى فيها حلاً" وضامنة للحرية السياسية والنظام الاقتصادي خلال نضف قرن، فهي تظهر اليوم أكثر فأكثر عامل فوضى دولية، حيث تبقي ... على اللايقين والصراع". إن أميركا تحتم على العالم أن يعترف بأن دولاً تشكل "محور الشر" يجب محاربتها، كما تستفز قوى أخرى مثل روسيا والصين، وتضع حلفاءها في موقف حرج باستهدافها مناطق متاخمة لهؤلاء الحلفاء.
” أميركا لم تعد الأمة الكبرى كما كانت في السابق وأن نظامها الديمقراطي في أزمة، ولذا فهي تحاول أن تحافظ وتبرر هيمنتها وشرعيتها باستهدافها بلداناً قليلة الأهمية اقتصادياً وعسكريا ” |
ويرى أن حلفاءها (أوروبا واليابان) مترددون ومحرجون أكثر فأكثر. ففرنسا تنتهج موقفاً استقلالياً، أما ألمانيا المستاءة فجاء موقفها مفاجئا، أما بريطانيا فهي على عادتها وفية للخط الأميركي. بينما يعبر الصمت الياباني عن انزعاج أكثر مما يعبر عن انخراط في سياسة أميركا. ويقول الكاتب إن "الأوروبيين لا يفهمون لماذا ترفض تسوية المسألة الإسرائيلية-الفلسطينية رغم أن لها القدرة على ذلك. وبدؤوا يتساءلون عن ما إذا كانت واشنطن راضية بأن تدوم بؤرة توتر في الشرق الأوسط وأن تعبر الشعوب العربية عن عدائها المتنامي للعالم الغربي". ويضيف أن أميركا تريد أن تجعل من "القاعدة" قوة مستقرة وشريرة لتبرر التدخل في أي مكان وفي أي وقت باسم الإرهاب.
يطرح الكاتب "نموذجاً لتفسير السلوك الدولي" لأميركا معتبراً أنها لا تعاني فرط القوة وإنما انخفاضا في قوتها. ويخلص إلى أن القوة الأميركية في تراجع وأن مراكز القوة في العالم تتعدد وأن التكتلات الإقليمية الكبرى ستفقد جدوى وجود مركز أميركي عالمي. ثم يتطرق المؤلف إلى أطروحات فوكوياما قائلاً إنها تقود في نهاية الأمر إلى "لا حاجة العالم إلى أميركا". حيث يقول الكاتب إنه إذا قبلنا بفرضية مايكل دويل – والتي تبناها فوكوياما- والقائلة بأن الديمقراطية لا تدخل في حروب فيما بينها، فهذا يعني أنه حين تعمم الديمقراطية في العالم فإن أميركا كقوة عسكرية تصبح عديمة الجدوى بالنسبة للعالم مما يحتم عليها أن تكون ديمقراطية بين ديمقراطيات أخرى. بينما كانت في السابق تقدم نفسها على أنها حامي الديمقراطية والحرية (ضد النازية، الشيوعية...). لن يكون بوسع أميركا الاستغناء عن القطبين الصناعيين والماليين؛ أوروبا واليابان.
” القوة الأميركية في تراجع وأن مراكز القوة في العالم تتعدد وأن التكتلات الإقليمية الكبرى ستفقد جدوى وجود مركز أميركي عالمي ” |
في رأيه، عدم جدوى أميركا للعالم يعتبر أحد الهاجسين الأساسيين لأميركا وأحد المفاتيح لفهم السياسة الخارجية الأميركية. ويرى أن هذا الخوف أخذ شكل تأكيدات رسمية عكسية. ففي فبراير 1998 وصفت ألبرايت (مبررة إطلاق صاروخ على العراق) أميركا بـ "الأمة الضرورية". ويعتبر المؤلف أنه لما تؤكد رسمياً ضرورية أميركا للعالم، فهذا يعني أن مسألة جدواها مطروحة. ويرى أنه يجب القبول بأن الهيمنة الأميركية بين 1950 و1990 كانت مفيدة، وهذا سيساعدنا في فهم تحول أميركا من الجدوى إلى عدم الجدوى بالنسبة للعالم. ويلاحظ أن القوة الاقتصادية الأميركية بدأت تتقهقر في السبعينيات مع ظهور عجز بنيوي في الاقتصاد الأميركي
ويرى أن تسارعاً في عملية تبعية أميركا نتج عن انهيار الشيوعية، فبين 1990 و2000 قفز العجز التجاري الأميركي من 100 إلى 450 مليار دولار. وعليه فأميركا بأمس الحاجة لتدفق رؤوس الأموال الأجنبية. ويلاحظ أنه في بداية الألفية الثالثة لم تعد أميركا قادرة على العيش من إنتاجها لوحده. ففي الوقت الذي يوشك فيه العالم– الذي هو أكثر استقراراً تربوياً، سكانياً وديمقراطياً - أن يكتشف أنه بإمكانه الاستغناء عن أميركا، تدرك هذه الأخيرة أنه ليس بوسعها الاستغناء عن العالم. ومن المؤكد "أنه سيتعين على أميركا أن تناضل بعد الآن سياسياً وعسكرياً للحفاظ على هيمنة ضرورية لمستواها المعيشي". ويضيف أن "قلب علاقة التبعية الاقتصادية هذه هو العامل الثاني، الذي إذا أضيف إلى العامل الأول، أي تعدد الديمقراطيات، سمح بشرح غرابة الوضع العالمي، السلوك العجيب للولايات المتحدة وارتباك الكوكب. كيف يمكن تسيير قوة عظمى تابعة اقتصادياً ولكن عديمة الجدوى سياسياً؟".
يرى أن إستراتيجية أميركا الانفرادية تحوي ثلاث عناصر أساسية
-
” إن "الولايات المتحدة في طريقها لأن تصبح مشكلة بالنسبة للعالم". فبينما "اعتدنا أن نرى فيها حلاً" و"ضامنة للحرية السياسية والنظام الاقتصادي خلال نصف قرن ” |
عدم تسوية أي مشكلة نهائياً لتبرير عمل عسكري.
- التركيز على ميكرو-قوى (العراق، كوريا الشمالية...). إن "الطريقة الوحيدة للبقاء سياسياً من قبل العالم هي ’مواجهة’ فاعلين" من الدرجة الدنيا للرفع من شأن القوة الأميركية، "وهذا لمنع أو على الأقل لتأخير وعي القوى الأساسية التي ستتقاسم مع أميركا التحكم في العالم: أوروبا، اليابان وروسيا على المدى القصير، والصين على المدى البعيد".
- تطوير أسلحة جديدة يفترض أن تضع أميركا "الأولى بعيداً" في تسابق نحو التسلح يجب ألا يتوقف أبداً. ويضيف أن "قائمة وحجم البلدان المستهدفة تحدد موضوعياً قوة أميركا القادرة على الأكثر على مجابهة العراق، إيران، كوريا الشمالية أو كوبا. لا يوجد أي سبب للذهول أو لإدانة ظهور إمبراطورية أميركية والتي هي في حقيقة الأمر قيد التفكك، بعد عقد على تفكك الإمبراطورية السوفياتية".
ويعتبر أن أميركا لم تعد الأمة الكبرى كما كانت في السابق وأن نظامها الديمقراطي في أزمة، ولذا فهي تحاول أن تحافظ وتبرر هيمنتها وشرعيتها باستهدافها بلداناً قليلة الأهمية اقتصادياً وعسكرياً. ويقول إن التوازن العالمي في تحول وإن العالم يسير نحو عالم متعدد الأقطاب ستكون فيه أوروبا، روسيا واليابان فاعلين أساسيين. ويعتبر أن النمو المستمر للبلدان غير الغربية وتزايد عدد الدول الديمقراطية يساهمان في هشاشة السيطرة الأميركية، وأن عودة أميركا إلى مصاف "قوة كبيرة من بين قوى أخرى يبدو لا رجعة فيه ".
يستند المؤلف في تحليلاته على إحصائيات ليظهر التبعية الاقتصادية المتنامية لأميركا حيال العالم الخارجي. ويورد أرقاماً توضح أن أميركا تسجل عجزاً في ميزانها التجاري مع كل البلدان المهمة في العالم. أما الفائض في الميزان التجاري التكنولوجي (سلع التكنولوجيا المتقدمة) فهو في تراجع حيث هبط من 35 مليار دولار عام 1990 إلى 5 ملايين دولار عام 2001 ليسجل عجزاً في 2001. ويلاحظ أن الاقتصاد الأميركي نمت فيه الخدمات المالية، التأمينات والعقارات بوتيرة أسرع بمرتين من وتيرة نمو الصناعة وذلك بين 1999 و2000. أما أرقام الناتج القومي الأميركي الخام فضخمت بسبب المخالفات كما ظهر مع فضيحة إنرون، إفلاسها نجم عنه تبخر 100 مليار دولار. ويلاحظ أن هذا الرقم يمثل حوالي 1% من الناتج القومي الخام الأميركي. ويقول إنه مع تزييف حسابات الشركات الأميركية بدأ هذا الناتج يشبه من حيث المصداقية الإحصائية الناتج القومي الخام السوفياتي. ويرى أن أميركا هي قيد التحول إلى فضاء متخصص في الاستهلاك وتابع للعالم الخارجي، فهي ليست مهمة للعالم من حيث إنتاجها وإنما من حيث استهلاكها.
” إن أميركا تحتم على العالم أن يعترف بأن دولاً تشكل "محور الشر" يجب محاربتها، كما تستفز قوى أخرى مثل روسيا والصين، وتضع حلفائها في موقف حرج باستهدافها مناطق متاخمة لهؤلاء الحلفاء ” |
أما عسكرياً، فيرى أن "أفول" القوة الأميركية "لا رجعة فيه"، وأن إشكالية أميركا العسكرية هي أنها لم تواجه أبداً خصماً في مستواها العسكري كما أنها لم تربح حرباً بمعنى الكلمة، فحتى الحرب العالمية الثانية لم تكن لتنجح فيها لولا التضحيات الروسية على الجبهة الشرقية. ويرى أنه بحكم تبعية أميركا للعالم، فإنه لم يعد بوسعها انتهاج الانعزالية. ويرى أنها ليست حقاً قوية، فهي تفتقر إلى قوات برية وهي بحاجة ماسة لقواعدها العسكرية في الخارج أكثر من حاجتها لحاملات طائراتها. ويعتبر أن تركيزها على نفط الشرق الأوسط يعبر عن تخوفها من أن يقذف بها خارج أوراسيا. ويرى أن تحالفاً أوروبيا روسيا قد يعني نهاية السيطرة الأميركية على العالم.
ويعتبر أنه من خلال نشاطها العسكري الموجه ضد الدول الضعيفة تسعى أميركا لحجب انحسار قوتها. فهي تستخدم مكافحة الإرهاب و"محور الشر" كمبررات. وبما أنه ليس بوسعها التحكم في كبار الفاعلين الاقتصاديين والإستراتيجيين أي أوروبا، روسيا، اليابان والصين، فإنها ستفقد التحكم في العالم، وتصبح قوة كبرى بين قوى كبرى أخرى. ويرى أنها تريد بالسعي للتحكم في مصادر الطاقة إخفاء بؤسها الثقافي والاقتصادي المتنامي. وتبعث بإشارات عسكرية لإعطاء الانطباع بأنها لازالت الأمة القوية كما في الماضي. لكن الحقيقة أن أوروبا والقوى الصاعدة هي المستهدفة من قبل أميركا.
وفي رأيه، بعد تضخيم الإمكانيات العراقية وبعد تحرير الكويت حدد خيار أميركي جديد؛ الانخراط في أكبر عدد من الصراعات مع قوى عسكرية مثيرة للسخرية والتي تنعت بـ "الدول المارقة". أما "الميكرو-عسكريتارية المسرحية الأميركية" فتهدف "لإظهار ضرورة أميركا للعالم" بسحق خصوم لا شأن لهم.
الهاجس النفطي لأميركا لا يفسر في رأيه بأغراض استهلاكية محلية (رغم اعتمادها المتزايد على النفط الخارجي) وإنما بالتحكم في مصادر الطاقة في العالم، ذلك أن أميركا تعتقد أن التحكم في هذه المصادر الضرورية لأوروبا واليابان يمكنها من ممارسة الضغوط عليهما. وعليه فإن إستراتيجيتها في الشرق الأوسط وسياستها حيال العراق وإيران لا تهدف إلى التحكم في الطاقة الموجهة لأميركا وإنما الموجهة للعالم خاصة أوروبا واليابان. لكن الدول النفطية لاسيما العراق، إيران والسعودية بحاجة لتصدير نفطها لتلبية حاجيات سكانها فلا خوف على إمداد أوروبا بالنفط رغم انكشافها في مجال الطاقة عكس أميركا التي تأتي نصف وارداتها النفطية من فنزويلا، المكسيك وكندا.
وإذا أضفنا هذه النسبة إلى النفط الأميركي المنتج محلياً، فإن 70% من الاستهلاك الأميركي يأتي من الأميركتين. بينما تعتمد أوروبا واليابان على الشرق الأوسط أساساً. ويضيف أنه مهما كانت القوة العسكرية الجوية والبحرية الأميركية فليس بوسعها الحفاظ إلى ما لا نهاية - وبعيداً عن التراب الأميركي - على تفوق عسكري بدون دعم الأمم المحلية. "القواعد السعودية والتركية هي أهم بكثير تقنياً من حاملات الطائرات الأميركية". ويرى أن وعي أوروبا واليابان بقوة إمكانياتهما وعودة روسيا إلى التوازن العالمي سيقود في المدى المتوسط إلى انهيار الزعامة الأميركية.
في رأيه التركيز الأميركي على العالم الإسلامي يعبر عن تخوف من إقصاء أكثر منه عن قدرة على توسيع الإمبراطورية ويكشف قلق أميركا أكثر مما يعبر عن قوتها. التركيز على العالم العربي يفسر أساساً بضعف هذا الأخير الذي يفتقر إلى وجود دولة قوية. فهو بطبيعته كبش فداء. وعليه فالعالم العربي يعد مسرحاً لاستعراض قوة أميركا التي بمقدورها أن تحقق فيه "انتصارات" تذكر سهولتها بألعاب الفيديو يقول المؤلف. يعد الخيار الأمريكي المناوئ للعرب خيار السهولة وليس مدروساً. فالعرب يعاملون بسوء لأنهم ضعفاء، ولأن لديهم النفط، ولأنه لا يوجد لوبي عربي فعال في اللعبة السياسية الداخلية الأمريكية، يضيف الكاتب.
” عدم جدوى أميركا للعالم يعتبر أحد الهاجسين الأساسيين لأميركا وأحد المفاتيح لفهم السياسة الخارجية الأميركية ” |
يختتم كتابه بالقول إن "تهديداً واحداً للتوازن يحدق اليوم بالكوكب: أميركا نفسها التي تحولت من حامية إلى نهابة". ففي الوقت الذي لم تعد جدواها السياسية والعسكرية بديهية، فهي تدرك أنه لا يمكنها الاستغناء عن السلع المنتجة من قبل العالم. هذا العالم واسع، مكتظ سكانياً، ومتنوع وتتخلله قوى غير قابلة للتحكم. ويعتبر أن "العسكريتارية الاستعراضية المفترض أن تثبت العجز التقني العسكري لكل بقية الفاعلين العالميين، قادت في نهاية الأمر إلى انشغال القوى الحقيقية التي هي أوروبا، اليابان وروسيا ودفعها من الآن فصاعداً إلى أن تتقارب فيما بينها". فقد بدأت أوروبا تعي أن روسيا ليست تهديداً إستراتيجياً لها بل أصبحت مساهمة في أمنها العسكري. ويعتبر أن القوى الحقيقية اليوم كما في الأمس هي سكانية، تربوية وأن السلطة الحقيقية اقتصادية. فلا داعي للانسياق وراء تسابق نحو التسلح مع أميركا "يقود إلى التدخل... في بلدان دون أهمية إستراتيجية حقيقية".
ويعارض التدخل عسكرياً إلى جانب الأميركيين ضد العراق. ويضيف أنه لم تنجح أية دولة في القرن 20 في تنمية قوتها عبر الحرب أو عبر زيادة قواتها المسلحة. ويعتبر أن أوروبا، اليابان وروسيا ستخسر كثيراً إن هي انخرطت في هذه اللعبة، ملاحظاً أن الولايات المتحدة خرجت منتصرة في القرن 20 لأنها وخلال حقبة طويلة من الزمن رفضت الدخول في الصراعات العسكرية في أوروبا. وينهي كتابه قائلاً، لنترك أميركا تنهك ما تبقى من طاقتها في "مكافحة الإرهاب"، كبديل للكفاح من أجل الحفاظ على هيمنة لم تعد موجودة. إن استمرت أميركا في تعنتها لإظهار قوتها الخارقة للعالم، فإنها تظهر في نهاية الأمر عجزها للعالم.