عرض/ كامبردج بوك ريفيوز
أثار كتاب المؤرخ والمحامي الفرنسي نيكولا بافراز عن أفول فرنسا ردود فعل واسعة وجدلاً في الأوساط الأكاديمية والإعلامية والسياسية الفرنسية وحاز على تغطية إعلامية نادرة لكونه يعالج موضوعاً حساساً ألا وهو مكانة وقوة فرنسا لاسيما وأن الكتاب صدر في هذا الظرف العسير والمتحول من العلاقات الدولية مع الغزو الأميركي للعراق وتداعياته على النظام العالمي.
|
-اسم الكتاب: فرنسا التي تسقط -المؤلف: نيكولا بافراز--عدد الصفحات: 134 -الطبعة: الأولى 2003 -الناشر: بيران - باريس
| |
إضافة إلى هذه العوامل الموضوعية تثير أدبيات الأفول عموماً، مهما كان المعني بالأفول، نقاشاً دائماً وفورياً في الأوساط الأكاديمية والسياسية. وقد حقق كتاب بافراز الذي خرج إلى الأسواق في شهر سبتمبر/ أيلول الماضي، أحد أكبر مبيعات الكتب الفرنسية الصادرة في مطلع الموسم 2003/2004.
ويستهل بافراز كتابه بقوله إن المشهد المؤسساتي والاقتصادي والاجتماعي لفرنسا يشهد منذ القرن التاسع عشر تناوباً بين الأفول والنهوض. ويعتبر أن "عدم الاستقرار المزمن هذا يجد علله في راديكالية المشروع الثوري لعام 1789 الذي -بخلاف المسارات البريطانية والأميركية- سعى لتأسيس الحرية على قطيعة كاملة مع التقليد أو الدين، ومنح أولية قصوى للسياسي، وإقامة مواجهة مباشرة بين الدولة والمواطنين ترفض كل وساطة".
ففرنسا تبقى عام 2003 الوحيدة بين البلدان المتقدمة الكبرى التي لم تمتص آثار أزمة السبعينيات، وكانت عرضة للتحولات الناجمة عن نهاية الحرب الباردة والعولمة وعمليات 11 سبتمبر/ أيلول. وهكذا تجد فرنسا نفسها -كما يضيف المؤلف- تتخبط في أزمات القرن الواحد والعشرين في حين لم تتمكن بعد من امتصاص آثار صدمات الربع الأخير من القرن العشرين وعلى رأسها البطالة.
يُفسر أفول فرنسا منذ السبعينيات بسمة الجمود التي تتصف بها بناها، وكانت النتيجة تنامي التطرف السياسي وأزمة مؤسسات الدولة والنمو الهش وتفشي البطالة. بلغ هذا الوضع ذروته مع "الانهيار المدني" في 21 أبريل/ نيسان 2001 بوصول مرشح اليمين المتطرف إلى الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية.
ويرى المؤلف أن الإصلاحات الكبرى لم تتم، فإصلاحات مثل اللامركزية التي شرع فيها عام 1981 وفي 2003 بقيت مبتورة بسبب غياب خيارات واضحة عن تبسيط المستويات الإدارية والتمويل (60% من الموارد المالية للجماعات المحلية تأتي من الدولة).
” تسبح فرنسا اليوم عكس التيار، فقد شرعت الدبلوماسية الفرنسية في تعميق شرخ الغرب وفي استنساخ الأحادية الأميركية على مستوى أوروبا ” |
وينتقد بافراز الحكومة الحالية قائلاً إنه باستثناء بعض الإنجازات المحدودة جداً (مثل استعادة التحكم في الوضع الأمني داخلياً)، فإن الحكومة الفرنسية "لا تسير سياسة الأمة وإنما تعمل كخلية عناية نفسية" وهي أبعد من أن توضح المستقبل وتعبئ المواطنين بشأن مشروع إنهاض الأمة.
أما رئيس الجمهورية شيراك فقد اكتفى بالساحة الدولية وتخصص في رعاية القضايا الوطنية الكبرى (أمن الطرقات، البحث العلمي لاستئصال وباء السرطان..). وفي مقارنة سريعة بين فرنسا وألمانيا يقول إن فرنسا، أكثر من ألمانيا، "هي اليوم الحلقة الضعيفة في أوروبا". فالدولتان تعانيان أزمة نمو اقتصادي وأزمة تمثيلية ديمقراطية، لكن الأداء الألماني لمواجهة الأزمات أحسن بكثير من الأداء الفرنسي وهذا رغم كلفة إعادة توحيد ألمانيا اقتصادياً.
ويعتبر المؤلف أنه بسبب جمود بناها الاقتصادية والاجتماعية تشهد فرنسا انخفاضاً حاداً لقدرة نموها وللاستثمار المُنِتج واستمرار بطالة بنيوية واسعة وتضخم سلك الوظيفة العمومية إضافة إلى قدم وسائل البلاد الدفاعية. "هكذا تتسع الهوة بين الخطاب عن القوة ووسائل ممارستها. فرنسا تعرف ما لا تريده –هيمنة الولايات المتحدة على الديمقراطيات أو زعامة المملكة المتحدة في أوروبا– لكنها لم تعد تعرف ما تريد، فهي تشهد بلا ريب أفولاً في أوروبا التي هي نفسها في حالة انحطاط".
ويقول إن فرنسا تسبح اليوم عكس التيار، فعوض العمل المشترك بين الديمقراطيات لمواجهة التهديدات الجديدة، شرعت الدبلوماسية الفرنسية في تعميق شرخ الغرب وفي استنساخ الأحادية الأميركية على مستوى أوروبا لاسيما عبر توبيخ متعال للديمقراطيات الجديدة.
واتخذت موقفاً ناقداً بانتظام يتجنب المقترحات العملية لصالح شعارات نظرية تمجد العالم المتعدد الأقطاب أو المتعدد الأطراف. ويرى أنه بسبب رفضها قبول التكيف مع المعطى الجديد الذي ظهر بداية من نهاية القرن العشرين، فإن فرنسا تعرض نفسها للتهميش اليوم في أوروبا وفي العالم خاصة وأنها تبقي على خطاب قوة منفصل عن وسائل نفوذها وعملها الحقيقي.
يعتبر بافراز أن الدبلوماسية الفرنسية لم تفهم مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة وبقيت حبيسة عقلية الستينيات (راهنت على بقاء الاتحاد السوفياتي، أعاقت إعادة توحيد ألمانيا)، كما أنها لم تر سقوط جدار برلين عام 1989 ثم عمليات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 كأحداث ثورية غيرت العالم ولكن كاستمرار لجيوسياسة القرن العشرين دون الاتحاد السوفياتي وبإضافة بن لادن.
وقد استمرت فرنسا في تحديد موقفها وفق عقلية الستينيات والمراهنة على المحور الفرنسي/الألماني كأفق واحد لأوروبا لكنها لم تتردد في إضعافه بمواقفها إزاء إعادة توحيد ألمانيا، كما قاومت توسيع الاتحاد شرقاً سياسياً واقتصاديا مبدية تحفظاً حيال الديمقراطيات الجديدة. فكان أن تم توحيد أوروبا بقيادة أميركا وتحت لواء الأطلسي. هذا ما يساهم في تفسير الأولوية التي أبدتها بلدان أوروبا الشرقية للتحالف مع أميركا وابتعادها عن فكرة سياسة أوروبية مستقلة. كما تشبثت فرنسا بعالم يالطا محاولة الحفاظ مهما كان الثمن على حدود 1945 مبررة الغموض الذي استمر طويلاً حيال صربيا الكبرى لميلوسوفيتش وبرنامجه للتطهير العرقي.
تراكم هذه الأخطاء قوض مواقف فرنسا. أما المحور الفرنسي/الألماني الذي قُدم على أنه محرك أوروبا فقد أصبح طقساً بلا معنى مما فتح الطريق لسيطرة بريطانيا تدريجياً على مؤسسات الاتحاد سياسياً (محور ذي أغلبية بين الـ25) وقانونياً (تشجيع النموذج الليبرالي) وبشرياً (تولي بريطانيين مناصب إستراتيجية في الاتحاد).
وفي الوقت نفسه فقد نموذج أوروبا السياسية الذي تدافع عنه فرنسا مصداقيته بسبب إعاقتها إصلاحات الاتحاد للإبقاء على السياسة الزراعية المشتركة، وبسبب التأخر في نقل السيادة في بعض الميادين وتعميم التصويت بالأغلبية المؤهلة. كما أن عدم احترامها لميثاق الاستقرار الأوروبي (عدم تحكمها في النفقات العمومية حيث بلغ العجز 3.8% عام 2003) جعلها تعزل نفسها داخل الاتحاد.
أما الأزمة العراقية فتوضح تناقضات الدبلوماسية الفرنسية. الطموح الأولي القائم على رفض فظاظة إدارة بوش -التي تريد أن تبرر اللجوء للقوة العسكرية ضد العراق عبر الآليات المتعددة الأطراف- كان شرعياً.
ويرى المؤلف أن ثلاثة شروط كانت ضرورية لمحاولة احتواء انسياق أميركا نحو سياسة قوة خطيرة خاصة وأنها اختارت الشرق الأوسط كحقل لها هي: مقابلة الانفعال بخطاب عقلاني، تقديم مقترحات بديلة فعالة لمعالجة المشكلة العراقية، تحييد الأحادية الأميركية بنهج متعدد الأطراف والبحث عن تدعيم الأطر الجماعية للأمم المتحدة والحلف الأطلسي وأوروبا.
” وجدت فرنسا نفسها معزولة في العالم, فمؤسسات العمل التي ادعت دعم دورها استُبعدت حيث تم حصر دور الأمم المتحدة في الإقرار على رفع العقوبات عن العراق ” |
لكن فرنسا فعلت عكس ذلك، إذ ردت على الحملة الأميركية بتمجيد السلام وإدانة مبدأ الحرب وهذا خطاب خطير جداً من طرف دولة ديمقراطية كما أثبتته تجربة ما بين الحربين العالميتين. وما فتئ موقف فرنسا يحيد عن الطريق فكان أن فقدت من صوب أعينها البحث عن مخرج للمشكلة العراقية مركزة جهودها على التصدي للدبلوماسية الأميركية وشكلت محوراً مع ألمانيا وروسيا والصين –التي كانت أكثر حذراً منها– لا معنى له.
فرفض كل ضغط عسكري على العراق وكل مهلة قلل من حظوظ حل سلمي. وانتهى الانسداد في الأمم المتحدة آلياً بتدخل عسكري واحتلال تحت التحكم الوحيد لأميركا. أما الضغط على الاتحاد فقوض السياسة المشتركة ووضع فرنسا في موقف أقلية في أوروبا الـ15 وأوروبا الـ25. وبالتالي وجدت فرنسا نفسها معزولة في العالم وفي أوروبا. فمؤسسات العمل المتعدد الأطراف التي ادعت دعم دورها تم استبعادها حيث تم حصر دور الأمم المتحدة في الإقرار على رفع العقوبات عن العراق.
أما روسيا وألمانيا والصين فقد تخلت بسرعة عن فرنسا. وتدهورت العلاقة الفرنسية الأميركية بصفة عميقة ودائمة، إذ تتحمل فرنسا لوحدها العقوبات العسكرية (وقف كل أشكال التعاون الثنائي مع أميركا وإعاقة أسواق الأسلحة) والدبلوماسية (مضايقة آلية من قبل واشنطن لباريس في كل المحافل والمؤسسات الدولية بدءا من الأمم المتحدة) والاقتصادية (انخفاض الاستثمارات وتدفق رؤوس الأموال..). وجعلتها عزلتها الدبلوماسية تتقرب من أميركا بالتصويت على القرار 1483 (رفع العقوبات) الذي أطلق يد أميركا في العراق.
أما أميركا فلم تجد أدلة على امتلاك العراق أسلحة دمار شامل وشنت حرباً لم تكن ضرورية وانصرفت عن محاربة الإرهاب التي هي مركزية وما لذلك من خطر معاودة العمليات الإرهابية للقاعدة التي أصبحت من جديد عملياتية.
فيما يتعلق بالعوامل الداخلية لأفول فرنسا يقول الكاتب إن تراجع نفوذها الخارجي خاصة في أوروبا يشكل لازمة لأزمتها الداخلية، ويجعلها -مع كل من ألمانيا واليابان في الوقت الحالي- من أبرز الخاسرين في بداية القرن الواحد والعشرين.
أما مؤسساتها التابعة للدولة فهي في أزمة واقتصادها متدهور إذ لم يتعد معدل نموه 1% عام 2002. ويعتبر أن الانسداد الاقتصادي ليس آنياً بل بنيوي؛ فالناتج الداخلي الخام لفرنسا الذي كان يزيد عن نظيره البريطاني بنسبة 25% في السبعينيات هو اليوم أقل منه بنسبة 9%. وتحتل فرنسا اليوم المرتبة العاشرة داخل الاتحاد الأوروبي والتاسعة عشرة في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية من حيث الناتج الداخلي الخام لكل نسمة. وبمعدل نمو يقدر متوسطه بـ1.8% منذ التسعينيات تأتي فرنسا في المرتبة الالخامشة والعشرين فيما بين الـ32 دولة عضو في هذه المنظمة.
أما النفقات الوطنية فقد خصصت بأولوية للقطاعات الاجتماعية (22.5% من الناتج الداخلي الخام) والتوظيف العمومي (14.5%) على حساب الاستثمارات مثلاً (2.5%). ويعتبر أن فرنسا مازالت تعيش على إنجازات البرامج العمومية الكبرى للسبعينيات (القطار السريع، الاتصالات السلكية واللاسلكية، إيرباص، أريان) وتوقفت عن الاستثمار في النشاطات التي ستكون مصيرية من حيث القدرة على المنافسة في 2010-2020.
” ثملت فرنسا بأسطورة الثورة طويلاً, لكن عليها اليوم بعد أن تحررت من النشوة الأيدولوجية أن تضطلع بالإصلاح الذي من دونه تذبل الديمقراطية قبل أن تسقط ” |
ويتحدث عن تفاقم الفوارق الاجتماعية لاسيما بين عمال القطاع العام والخاص، وعن تراجع أداء الصناعة الفرنسية ومستوى الاستثمارات الأجنبية في البلاد، وتدني معدل التشغيل فيها (وهو الأضعف في البلدان المتقدمة)، وتفاقم حجم البطالة التي تمس خصوصاً الشباب (26%) والمهاجرين لاسيما الجالية المغاربية التي يعيش 25% منها تحت عتبة الفقر.
ويقول إن الحكومات المتعاقبة لم تكن لها الشجاعة ووضوح الرؤى في تطبيق الإصلاحات البنيوية (التربية، العدالة، الإدارة الضرائبية، الوظيف العمومي، نظام التقاعد..) وإرشاد الإنفاق العام وتحسين أداء القطاع العام. وينتقد المؤلف الأداء السيئ لقطاع التربية الذي يستحوذ على 7% من الناتج الداخلي الخام فيما يخرج 12% من الأميين ويقذف سنوياً بـ16 ألف شاب دون أي مؤهل.
وهكذا تحتل فرنسا المرتبة الخامشة عشرة بين 32 دولة لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية من حيث إتقان القراءة. كما ينتقد عدم تحديث إمكانات البلاد العسكرية وتراجع معدل الإنفاق العسكري والعناية بالردع النووي (الذي استحوذ على 18% من المجهود الكلي) على حساب تحديث العتاد التقليدي. ويحث على استدراك التأخر في مجال البحث والتكنولوجيا والاهتمام بالتهديدات الإرهابية.
في الأخير يقول الكاتب إن الأولوية القصوى يجب أن تعطى للإنهاض الداخلي الذي هو القاعدة التي انطلاقا منها سيكون ممكناً إعادة مصداقية فرنسا واسترجاع موقفها القوي دبلوماسياً وإستراتيجياً. على أساس هذه الأولوية المركزية يحدد عدة أولويات أبرزها إصلاح الدولة الذي يعتبره مفتاح الإصلاح.
ويختتم كتابه بالقول إن أفول فرنسا يعتبر واقعاً قديماً وقائماً ويتسارع بوتيرة تسارع التحولات العالمية نفسها. ويؤكد ضرورة الإصلاح الشامل مؤسساتياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً لوقف الأفول والنهوض بالبلاد من جديد.
ويقول إن فرنسا ثملت بأسطورة الثورة طويلاً مغذية رفض الإصلاح، لكن عليها اليوم بعد أن تحررت من النشوة الأيدولوجية أن ترفض المحافظية وأن تضطلع بالإصلاح الذي من دونه تذبل الديمقراطية قبل أن تسقط.