كامبردج بوك ريفيو
على الرغم من عنوانه العريض "فرنسا منذ عام 1945"، إلا أن هذا الكتاب في التاريخ لا يسعى إلى بحث تفاصيل كل سنة منذ نشوب الحرب. ولكنه بدلاً من ذلك ينفرد -من حيث كونه كتاباً في التاريخ العام- بتغطية التاريخ الفرنسي دون اعتماد جدول زمني بالسرد، فالفصول الثلاثة الأولى جميعها تبدأ عام 1945. والشكل الموضوعي للكتاب يعني أن الفصول المتعلقة بإرث المقاومة الفرنسية تأخذ القارئ، من بداياتها عام 1940 وحتى ظهور الأفلام المثيرة للجدل في السبعينيات والتي تتناول موضوع المقاومة.
|
-اسم الكتاب: فرنسا منذ عام 1945 -المؤلف: روبرت غيلديا -عدد الصفحات: 351 -الطبعة: الأولى 2002 -الناشر: أوكسفورد يونيفيرستي برس | |
ثم تستمر الرواية حتى الوقت الحاضر وتتطرق إلى محاكمة بابون عام 1997، وهو مسؤول سابق بحكومة فيشي التي نصبها الألمان خلال الحرب الثانية والموالية لهم. يعمل مؤلف الكتاب روبرت غيلديا زميلاً بكلية ميرتون بجامعة أوكسفورد ومدرساً للتاريخ الحديث فيها. وقد لاقى كتابه هذا نجاحاً مميزاً. و
ينقسم هذا الكتاب إلى ثمانية فصول.
استعادة العظمة القومية
الفصل الأول يهتم بمحاولة فرنسا استعادة عظمتها القومية بعد الحرب العالمية الثانية، وعلاقتها ذات الوجهين المتضاربين بالإمبريالية الأميركية والتي يصفها الكاتب بـ "الجحود النزق"، ومحاولة فرنسا للتعامل مع الخوف من نهضة ألمانيا عن طريق إنشاء المجموعة الأوروبية، ونضالها - المحكوم عليه بالفشل - للمحافظة على إمبراطوريتها.
يختم الفصل بانتهاء حرب الجزائر عام 1962. وينظر في إرث تلك الحرب والذي يسميه الكاتب "الذكرى المستحيلة"، وذلك بسبب قمع الجزائريين ورد الفعل الوحشي تجاه أولئك المحتجين ضد الحرب الجزائرية داخل فرنسا. وفي استطلاع للرأي عام 1979، عبّر 58% من السكان عن أسفهم لنشوب حرب الجزائر، إضافة إلى أن تلك الحرب كانت لها تداعيات استمرت خلال الخمسينيات والستينيات، فيما يخص العلاقة بين السلطات الفرنسية والمهاجرين.
” محاولة فرنسا بناء شكل بديل من أشكال النفوذ يضم مجموعة الدول التي تتكلم اللغة الفرنسية وسيلة لتجديد طموحات فرنسا الاستعمارية الجديدة، وهكذا تكوّن اتحاد الدول الفرنكوفونية ” |
ديكتاتورية ديغول
يغطي الفصل الثاني فترة إعادة تثبيت الجمهورية التي كانت قد ألغيت عام 1940، وإنشاء الجمهورية الرابعة كجمهورية برلمانية في وجه تحديات الثورة الشيوعية وديكتاتورية ديغول. ويتابع عودة ديغول إلى السلطة عام 1958، محتجاً بأنه في سن السابعة والستين قد بلغ من الكبر عتيّا. لذا فلا مجال بأن يكون ديكتاتوراً، إذن لا داعي للقلق بهذا الشأن. ثم يتطرق الفصل إلى إقامة الجمهورية الخامسة كجمهورية رئاسية. وأخيراً ينظر في تزايد ادعاءات ديغول الديكتاتورية، وانتعاش المعارضة وثورة عام 1968، وأزمة الدولة التي أعقبت ذلك.
الفصل الثالث يستعرض الطريقة التي ظل فيها إرث الحرب العالمية الثانية والاحتلال الألماني مهيمناً على فرنسا، وكيف حاول الفرنسيون أن يتعايشوا مع هذا الإرث بإنكار مسؤوليتهم عنه. وفي استطلاع للرأي أجري عام 1951، أيد 60% من السكان منح عفو في فترة ما بعد الحرب، وهو موقف انعكس خلال تلك العملية الطويلة التي كانت تستهدف جلب مجرمي الحرب إلى العدالة. وقد عارض هذا "أولئك الذين اعتقدوا أن الشرعية في الجمهورية كانت تحددها المشاركة في المقاومة والالتفاف حول قيمها..."، وشملت هذه الحركة بين أعضائها المؤرخ فيفر.
أسطورة المقاومة
كذلك يبحث هذا الفصل في نسج أسطورة المقاومة التي جعلت من كل الفرنسيين أبطالاً، ثم اضمحلال تلك الأسطورة بعد ظهور حقائق حول تورط الفرنسيين في عمليات الاضطهاد ضد السامية ومنها المحرقة. كما يتفحص تسييس إرث المقاومة، فمثلاً حاول ديغول أن يصور التحرير على أنه استمرار للمقاومة. "كان هناك حرص على عرض تجربة الحرب بشكل يسهم في إطراء ديغول والجيش والأمة بأكملها على أفضل وجه"، وحتى لاحقاً في انتخابات الرئاسة عام 1981 حرص ميتران على أن يقدم نفسه باعتباره مرشحاً من اتباع المقاومة.
المعجزة الاقتصادية
أما الفصل الرابع فيستعرض المعجزة الاقتصادية التي حدثت ما بعد الحرب، وفيها تحولت فرنسا من مجتمع راكد يعتمد على المزارع الصغيرة والأعمال التجارية ضيقة المجال إلى نظام صناعي حضري حديث وتنافسي، إضافة إلى بيان الدور الثوري للتخطيط الاقتصادي. ويبين هذا الفصل كيف انخفض عدد المزارع من 2.3 مليون عام 1945 إلى 1.3 مليون عام 1974. كما يتفحص النتائج الاجتماعية لهذه التغيرات الاقتصادية: تدهور الفلاحة، التحول الذي طرأ على الطبقة العاملة، بروز طبقة وسطى جديدة يتقاضى أبناؤها رواتب. ويوضح الكاتب أن تاريخ المزارعين الفرنسيين -بما فيه المظاهرات وحواجز الطرق- تاريخ طويل. ففي عام 1961 قام المزارعون بأعمال شغب احتجاجاً على القوانين الزراعية الجديدة، فحرقوا شحنات البطاطا وصناديق الاقتراع وقطعوا طرق السيارات والقطارات وخربوا خطوط الهاتف، كما حرقوا دمية تمثل رئيس الوزراء. كذلك يتناول هذا الفصل انهيار النمو الاقتصادي بعد الأزمة النفطية عام 1973، ويتطرق إلى جهود الحكومات لإيجاد سياسة مناسبة للتعامل مع الأزمة الاقتصادية، وعملية تخليص الاقتصاد من التصنيع المفرط وارتفاع البطالة وتفاقم الفقر.
الهوية القومية الفرنسية
يخصص غيلديا الفصل الخامس للنقاش حول بناء الهوية القومية الفرنسية والتحديات التي واجهت هذا المشروع. فيتوقف عند عملية تطبيق الديمقراطية على نظام التربية والتعليم الفرنسي بهدف صهر جميع المواطنين في قالب واحد، وكذلك يهتم ببيان ذلك النظام الذي يسعى إلى تنشئة الصفوة المثقفة المتميزة بإنجازها الأكاديمي وإعدادها لقيادة الدولة الفرنسية المركزية والاقتصاد الحديث. وفي قسمه الثاني ينتقل الفصل إلى دراسة نضال المرأة من أجل الحصول على حقوقها السياسية والمساواة في فرص العمل وحقها في التحكم بجسدها. غير أنه ينظر كذلك في استمرارية وجود مجتمع يسيطر عليه الذكور وفشل الحركة النسوية في التطور بقوة في فرنسا، حتى بين النساء أنفسهن.
والقسم الأخير من هذا الفصل يتناول هاجس الهوية القومية الواحدة الذي يستحوذ على تفكير الفرنسيين، ويشترط أن تندمج الأقليات في الثقافة الفرنسية وتستوعب لغتها كي يكون بإمكانها ممارسة الحقوق السياسية، وأن تمارس أديانها باعتبارها شأناً خاصاً. هذه الأفكار هي نتيجة اندماج المهاجرين من الإمبراطورية الفرنسية السابقة. يقول الكاتب "الآن أصبح المستعمرون أنفسهم مستعمَرين. ونظراً لعدم قدرة الفرنسيين على استقطاب المجموعات المهاجرة وتكييفها -خصوصاً الجزائريين- فقد سارع الفرنسيون إلى إلقاء اللوم على المهاجرين، واعتبروهم السبب في كل المشاكل والأمراض الاجتماعية: كالبطالة واكتظاظ المدن والقذارة والجرائم ومرض الإيدز والخلل في الضمان الاجتماعي... إلخ".
ويبحث هذا الفصل في التحدي الذي تواجهه هذه الأيديولوجية والآتي بصورة خاصة من مهاجري شمالي أفريقيا، ونهوض الإسلام، والمعضلة الفرنسية المتمثلة فيما إذا كان ينبغي على الفرنسيين الدفاع عن هويتهم أو السعي لإعادة تحديدها.
كما يتحرى هذا الفصل كثيراً من الأفكار المتغلغلة في الحركات اليمينية، وهذا الجانب يمتّ بصلة -على وجه الخصوص- للنجاح في الانتخابات الأخيرة الذي أحرزه مرشح اليمين لوبان، مع العلم أن ذلك ربما قد حدث بعد إرسال هذا الكتاب إلى المطبعة.
ويروي الكاتب غيلديا عن لوبان قوله عام 1987 "أنا لا أقول إنه لا وجود لغرف القتل بالغاز في المحرقة، لكنني لم أتمكن من مشاهدة أي منها، كما أنني لم أقم بإجراء دراسة خاصة عن هذه المسألة. غير أنني أعتقد أنها تعتبر من النقاط التفصيلية في الحرب العالمية الثانية".
الثقافة الفرنسية
الفصل السادس يدور حول الثقافة الفرنسية، ويستهل بالقول "لطالما افتخر الفرنسيون بأنهم أمة تتمتع بالذكاء، ونظامهم التربوي يجعل النخبة المثقفة تبدو شكلاً من أشكال الفضيلة". وينظر الفصل في قيام وزوال ظاهرة "المفكر" والطبيعة المختلفة لأجيال المفكرين منذ عام 1945، حيث ضم الجيل الأول شخصيات معروفة مثل كامو وسارتر وبوفوار. كما يناقش هذا الفصل ظاهرة فرنسية متميزة هي "المفكر العام" أو مفكر الجماهير، ويقول "كان ينظر إلى المفكرين باعتبارهم حكاماً أو قضاة أخلاقيين لا ساعين وراء السلطة، ينشدون الحقيقة لا أصوات الناخبين، في خدمة القيم الكلية الشاملة كالحرية والعدالة، لا في خدمة فئات ذات مصالح خاصة أو أحزاب سياسية. إن صلتهم بالجماهير كانت تقوم، لا على الأحزاب السياسية، وإنما كانت نابعة من خلال توقيعهم على بيان عام اتفقوا عليه بشكل جماعي، أو مقالة قاموا بكتابتها سوياً مع الجماهير أو مظاهرات ساروا فيها متكاتفين".
” هاجس الهوية القومية الواحدة يستحوذ على تفكير الفرنسيين ويشترط أن تندمج الأقليات في الثقافة الفرنسية وتستوعب لغتها، ليكون بإمكانها ممارسة الحقوق السياسية وأن تمارس أديانها باعتبارها شأناً خاصا ” |
الديمقراطية التعددية
أما الفصل السابع فيركز على حل تلك الأزمة الفرنسية الأزلية والمتعلقة بالدولة، عن طريق الديمقراطية التعددية التي تسمح بتناوب اليمين واليسار على السلطة بطريقة سلمية، وأحياناً يمكن أن يتعايشا معاً أي يتقاسمان السلطة. كما يتناول تنامي الإجماع القومي، وانحسار الأيديولوجية، والمنافسة بين الأحزاب للسيطرة على الموقف واحتلال الموقع الرئيسي. بعد ذلك يتطرق الفصل إلى الجانب المعاكس لهذه التطورات: الإحباط الناجم عن وجود نظام سياسي ينظر إليه على أنه نظام مغلق وفاسد، ونمو أحزاب جديدة على طرفي الطيف السياسي، وخيبة الأمل السياسية وتبدد الأحلام، وظهور نوع جديد من السياسة والسياسيين.
السياسة الخارجية
الفصل الثامن يتفحص الطريقة التي أرسيت فيها دعائم السياسة الخارجية الفرنسية المعاصرة على يد ديغول. وقد شملت تحديد دور مستقل لفرنسا في عالم تهيمن عليه القوى العظمى، وضمان استمرار الزعامة الفرنسية داخل المجموعة الأوروبية مع تأكيد ديغول على أن أوروبا ينبغي أن تتخذ من فرنسا نموذجاً لها، وتطور الاستعمار الجديد الذي انطلق من حيث انتهى الاستعمار القديم، والمحافظة على النفوذ الفرنسي في أفريقيا والمحيط الهادي.
وحاولت فرنسا إقامة صداقة مع روسيا، بالرجوع إلى أفكار دبلوماسية عائدة للقرن التاسع عشر حول إنشاء تحالف فرنسي روسي. كذلك يتعقب هذا الفصل الإحباط الناتج عن تبدد هذه الأحلام، وفقدان فرنسا القدرة على المساومة في وجه الولايات المتحدة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. لقد كان الفرنسيون راضين تماماً بتقسيم ألمانيا، حتى أن فرانسوا موراي قال في إحدى المرات إنه كان يحب ألمانيا حباً كثيراً بحيث سرّه وجود اثنتين منها (ويقصد بذلك ألمانيا الشرقية والغربية). ولكن حين سقط جدار برلين، حلّت ألمانيا محل فرنسا بوصفها القوة المهيمنة في أوروبا. وأدى هذا إلى تزايد عدم رضا الجمهور الفرنسي عن الاتحاد الأوروبي "لأنهم ربطوا بينه وبين الهيمنة الألمانية, وفقدان الهوية الفرنسية، وإصابة السياسة الاقتصادية بانكماش مما أدى إلى وقوع فرنسا بشكل دائم في قبضة البطالة الهائلة".
وفي نهاية الفصل يشير الكاتب بوضوح إلى أن ألمانيا قد أضحت الآن الشريك المسيطر في أوروبا "لقد بات جلياً الآن أنه مع أن فرنسا دخلت في بناء أوروبا من أجل احتواء ألمانيا، إلا أن ألمانيا -لا فرنسا- قد أصبحت الآن القوة المهيمنة في أوروبا".
والأمر الأكثر إشكالية هو محاولة فرنسا بناء شكل بديل من أشكال النفوذ يضم مجموعة الدول التي تتكلم الفرنسية، كوسيلة لتجديد طموحات فرنسا الاستعمارية الجديدة. وهكذا تكوّن اتحاد الدول الفرنكوفونية، وهو يقوم على أن "استخدام اللغة الفرنسية قد نتج عنه قيام جماعة روحانية وفكرية تحتاج إلى هيكلة وتنظيم لتحقيق المنفعة المتبادلة لكافة أعضائها".
” مازالت الأقليات العرقية في فرنسا لا تمتلك حقوقاً أو تمثيلاً نيابياً كجماعات في نظر الدولة ” |
في خاتمة الكتاب، يركز المؤلف على التحديات التي تواجه فرنسا الآن. ويشعر بأن فرنسا وإن كانت قد نجحت في الحفاظ على هويتها المميزة "غير أن هذا الالتزام العاطفي بمبادئ وأفكار معينة، مع أنه يسهم في تعزيز قابلية الفرنسيين على استعادة القوة والوضع الطبيعي بسرعة، ولكنه ينطوي أيضاً على المخاطرة بوجود شيء من عدم المرونة بل وحتى الهشاشة، مما قد يضعف القابلية على التكيف والمواءمة للتحديات القادمة". ويجادل المؤلف قائلاً إن "أسطورة القوة والنفوذ الفرنسيين هي من النوع القابل للتدمير الذاتي". ثم إن هذا الكلام الخطابي البليغ -عن العظمة القومية والقوة العالمية- قد أثقل كاهل فرنسا وحمّلها عبئاً هي في غنى عنه.
ختاماً، بقي أن نقول إن الكاتب ينتقد بشدة السياسات الفرنسية تجاه الأقليات العرقية، ذلك لأنها ما زالت لا تمتلك حقوقاً أو تمثيلاً نيابياً كجماعات في نظر الدولة. كما ينتقد تهميش الحركة النسوية، ويرى أن الأقليات بحاجة إلى قدر أكبر من حرية التعبير عن الذات. وهو يرى أن الفرنسيين يقدرون كثيراً ما هو صحيح سياسياً، ويخشون للغاية "أن يظهروا بمظهر السخف أو الحماقة أو أن يكونوا موضع سخرية".