منير شفيق
يمكن تسمية شهر فبراير/شباط الفائت بشهر المتغيرات الدولية وليس فقط بشهر المتغير في العلاقات اللبنانية السورية. ولاشك في أن رصد ما يجري من تطورات في العلاقات بين الدول الكبرى يحمل ضرورة على قراءة الوضع الدولي على المدى القريب وربما المتوسط من جهة وعلى قراءة مدى تأثير ذلك من جهة أخرى في الوضعين العربي والإسلامي.
ولعل أبرز تطور عبرت عنه زيارة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش لأوروبا ولقاءاته مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك والمستشار الألماني غيرهارد شرودر والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أن الذي يتعمق في خطاب بوش في بروكسل في 21/02/2005 يلمس الاختلاف النوعي بين إستراتيجيته السابقة إزاء أوروبا وإستراتيجيته الجديدة.
" ما اتفق عليه الطرفان الأميركي والأوروبي لا يتعدى الرغبة في إعادة إحياء التحالف الأطلسي والاتفاق على سحب القوات السورية من لبنان وانتزاع البرنامج النووي الإيراني بالطرق الدبلوماسية " |
فأوروبا "القوية الموحدة قوة لأميركا" بعد أن كانت تقسم إلى "أوروبا قديمة وأوروبا جديدة"، وغدا حلف الشمال الأطلسي (الناتو) محور التحالف العالمي في الإستراتيجية الأميركية بدلا من إستراتيجية "تحالف الراغبين" تبعا لكل حالة. وبهذا يعود التحالف الأطلسي إلى المركز الذي كان يحتله في الإستراتيجية الأميركية في الحرب الباردة.
ولهذا المتغير الإستراتيجي معنيان: الأول يشكل اعترافا يكاد يكون صريحا بخطأ الإستراتيجية السابقة وما أصابها من فشل خلال ثلاث السنوات الماضية، لكن منهجية الدولة الكبرى لا تسمح لها بالاعتراف بالخطأ والفشل.
أما المعنى الثاني فبعده الخطير على العلاقات الدولية كما ظاهر على كل من سوريا ولبنان راهنا وإيران والعراق وفلسطين لاحقا، بل على مصر والسعودية إذا ما استطاع بوش جر أوروبا إلى الضغط عليهما.
المترتب الأول على هذا المتغير يتضمن وضع مقولة "عالم القطب الواحد" على المحك، إذ العودة إلى أوروبا الموحدة القوية، علما أن أميركا هي التي تراجعت وليس العكس، سيفرض القبول بنوع من الثنائية القطبية التي تريدها أوروبا، كما جاء على لسان شرودر بصورة غير مباشرة، "علاقات ندية" حتى إن بوش وعد بعدم استخدام عبارة "حلف الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة".
وهنا يبرز السؤال هل ستحل هذه الإشكالية أم سيبقى التجاذب لا محالة بين رغبة أميركا في أن تساعدها أوروبا ورغبة أوروبا في أن تشركها أميركا في قرارها وأمرها في ما يتعلق بالسياسات الدولية والاقتصاد العالمي.
ما اتفق عليه الطرفان الأميركي والأوروبي لا يتعدى الرغبة في إعادة إحياء التحالف الأطلسي والاتفاق على سحب القوات السورية من لبنان وانتزاع البرنامج النووي الإيراني بالطرق الدبلوماسية (الخيارات الأخرى غير متفق عليها)، كما اتفقا على التعاون في العراق وعلى التهدئة في الساحة الفلسطينية، ومحاولة إطلاق عملية التسوية. لكن ما زالا مختلفين في التفاصيل وهي المهمة عند التطبيق والشروع بالعمل المشترك.
وخلاصة القول إن الوضع الدولي من زاوية العلاقات الأميركية–الأوروبية وتداعياتها الدولية تغير خلال السنوات الثلاث، فقد كانت أميركا تنفرد بقراراتها وتنفيذها تاركة أوروبا لتعارض أو تلحق أو تتمنى لأميركا الفشل الجزئي لعلها ترجع إليها بسرعة. وهو ما حصل بعد أن أفلتت الأحداث العالمية من سيطرتهما بسبب هذا الاختلاف كما يقول معارضو إستراتيجية بوش من أميركيين وأوروبيين.
إن هذا التحالف سيحدث بالضرورة تغييرات في السياسة الأميركية والأوروبية أيضا (اللقاء عند نقاط متوسطة). وسوف يفرض على روسيا والصين والهند وعلى عدد من دول العالم الثالث في أميركا اللاتينية والبلاد العربية والإسلامية كذلك إعادة حساباتها من مفاوضات التجارة العالمية إلى مختلف قضايا الصراع الدولي، مما ستترتب عليه إعادة ترتيب خريطة العلاقات إن لم يكن تحالفات جديدة معلنة أو غير معلنة، مقابل التحالف الأطلسي إن وسع من اتفاقه بشأن تلك القضايا وعمل يدا واحدة.
أما المتغير الثاني ذو الطابع الإستراتيجي العالمي فقد عكسه الفشل الذي منيت به قمة بوش-بوتين في براتسلافا عاصمة سلوفاكيا في ختام زيارة بوش الأوروبية نفسها.
فعلى الرغم من البيان المشترك الذي أكد على حرص الطرفين على العلاقات الإستراتيجية بينهما، والتشارك في محاربة الإرهاب، وعدم انتشار الأسلحة النووية، فإن تصريحات بوش نسفته وهي تتحدث عن الديمقراطية من أوروبا الشرقية إلى جورجيا وأوكرانيا، ومضيها قدما لإكمال الطريق باتجاه ما تبقى من الاتحاد السوفياتي حول روسيا، من مولدافيا إلى روسيا البيضاء إلى مجموعة دول آسيا الوسطى المستقلة.
" يجب أن نتوقع انتقال مركز الصراع الدولي بعد الانتهاء من موضوع البرنامج النووي الإيراني إلى محاصرة الصين بقصد احتواء تقدمها الاقتصادي والعسكري " |
وهذا كله ليس له معنى غير إعلان "الحرب" على بوتين. ثم يجب أن تضاف هنا إشارته إلى إشارات وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس قبله، بشأن عدم الرضا عن الخطوات التي اتخذها بوتين لتعزيز قبضته في الداخل، وفي ملاحقة شركة يوكوس النفطية وعدد من رموز الأمركة والصهيونية سياسيا واقتصاديا.
وبكلمة واحدة، فإن العلاقات الروسية-الأميركية في حضيض لم تصله منذ انهيار الاتحاد السوفياتي وقيام الاتحاد الروسي.
ويبدو أن بوتين سيتعرض خلال الأشهر القادمة إلى جملة من الضغوط الأميركية والضرب تحت الحزام، الأمر الذي يفرض عليه أن يرد بالمثل كما فعل في اتفاقه النووي الأخير مع إيران، أو دعمه لسوريا وإمدادها بصفقة صواريخ، أو نقده للانتخابات العراقية إذ تجرى تحت الاحتلال.
والسؤال هل سيذهب بوتين شرقا بحثا عن تحالف مع الصين أو الهند؟ وهل سيعزز علاقاته العربية والإسلامية حيثما تأزمت مع أميركا؟ وأخيرا وليس آخرا هل سيتحمل التهديد بإخراجه من "مجموعة الدول الثماني" وقد أعطي ستة عشر شهرا مهلة للتراجع عن أجندته الداخلية إذا أراد أن يحافظ على مكانته بين الثمانية الكبار.
على أن المتغير الثالث والأكثر سخونة -وإن كان الأقل في الإعلام العالمي والتصريحات الرسمية- يتمثل في مؤشرات فتح جبهة على الصين من خلال مضيق تايوان وقضية انفصال تايوان.
فقد عقد لقاء بين وزير خارجية اليابان نوبوتاكا ماشيمورا ووزير الدفاع يوشينوري أوهنا مع نظيريهما كوندوليزا رايس ودونالد رسمفيلد الأميركيين، وصدر بيان دعا إلى "المحافظة على السلام في مضيق تايوان". وقد اعتبرته الصين تهديدا لسيادتها وبداية لحرب باردة.
فأميركا قررت تعزيز تحالفها مع اليابان اقتصاديا وعسكريا لاحتواء التقدم الاقتصادي والعسكري الصيني. أما جنرالات الجيش الياباني فقد أخذوا يضغطون لتغيير بنود في الدستور تحد من التسلح في عدة ميادين، وكان جواب الصين استصدار قرار من البرلمان يمنع انفصال تايوان. وأعلن رسميا أنها إذا فشلت في استعادتها بالطرق السياسية فستلجأ إلى "الطرق الأخرى".
وهكذا تكون منطقة جنوب شرق آسيا تواجه تحدي الصراع بين العملاقين الآسيويين الصيني والياباني، وبالطبع في الأساس الصراع بين أميركا والصين، الأمر الذي يسبب للمنطقة حرجا شديدا، وقد يعرض أوضاعها الاقتصادية إلى الاهتزاز حين تبدأ الاستشارات الأجنبية تشعر بالخطر.
ولهذا راحت دول شرقي آسيا تعقد الآمال على القمة الشرق آسيوية التي ستعقد في ماليزيا آخر السنة الجارية، وذلك على أمل الحث على المصالحة وحل الخلافات والعودة إلى التعاون.
ومن هنا يجب أن نتوقع انتقال مركز الصراع الدولي بعد الانتهاء من موضوع البرنامج النووي الإيراني إلى محاصرة الصين بقصد احتواء تقدمها الاقتصادي والعسكري، فهنالك أصوات ذات وزن في كل من أوروبا وأميركا راحت تشدد على عدم ترك الصين تتقدم اقتصاديا وعسكريا بلا ضابط، وذلك قبل فوات الأوان.
وبعض هذه الأصوات اعتبر وضع أولوية الإستراتيجية الأميركية ضد العراق ومن بعد ضد إيران وسوريا ولبنان يشكل خطأ إستراتيجيا عند احتساب مراكز القوى العالمية الحقيقية التي قد تزيح الغرب من موقع السيطرة العالمية الاقتصادية خلال أقل من عشرين سنة.
وهنا تشير أصابع التحذير إلى الصين والهند، وربما روسيا كذلك، إذا ترك بوتين يوقف التدهور والتفسخ، ويعزز قبضته في الداخل، مع المضي قدما في تطوير الأسلحة فوق التقليدية والتطوير الاقتصادي.
وبالعودة إلى المتغير الأول وهو إعادة الحياة إلى الحلف الأطلسي (الناتو)، يجب ألا يحصر السبب وراء التراجع الأميركي في الفشل الذي لحق بالولايات المتحدة في العراق أو الحاجة إلى عون أوروبا فيه، أو في مواجهة البرنامج النووي الإيراني أو الضغط لسحب القوات السورية من لبنان، وإنما التحالف لمواجهة الصين وروسيا ومحاولة السيطرة على الأحداث العالمية.
" إذا كانت أميركا والآن أوروبا معها واليابان إلى جانبهما، تريدان الحفاظ على الهيمنة العالمية والسيادة في المجالات العسكرية والاقتصادية والسياسية والعلمية والتكنولوجية فلا بد من المواجهة مع الصين وروسيا وربما الهند " |
وبهذا يكون الوضع العالمي يتهيأ لسلسلة صراعات لن يكون ما يسمى بالشرق الأوسط مركزها الوحيد، فالحرب الباردة أخذت تلوح في أفق مضيق تايوان، والتأزم مع روسيا يخفي سباقا للتسلح فوق التقليدي.
وإذا كانت أميركا والآن أوروبا معها واليابان إلى جانبهما، تريدان الحفاظ على الهيمنة العالمية والسيادة في المجالات العسكرية والاقتصادية والسياسية والعلمية والتكنولوجية فلا بد من المواجهة مع الصين وروسيا وربما الهند.
وإذا كان المعنيون في المقابل مواجهين بإستراتيجية احتواء قادمة نحوهم فلا مفر من الرد، أما كيف سيكون الرد وهل سيأتي سريعا أم متأخرا حازما أم مترددا فهو ما يجب رصده خلال الأشهر القليلة القادمة، وإن كانت المؤشرات تميل إلى أن يأتي مترددا ومتأخرا، لأن الصين تفضل أن تحل مشكلتها بنفسها، كما تفضل عدم صب الزيت على النار إذا ما تحركت باتجاه تشكيل تحالف أو محور مضاد.
طبعا هذا لا يمنع من فتح خطوط وإجراء لقاءات وإصدار بيانات مشتركة كتحذير أول لوقف التدهور.
لكن بالرغم مما تقدم فما زالت النقاط المتفجرة متمركزة في منطقتنا وعلى التحديد ضد البرنامج النووي الإيراني، وكمقدمة له ضد وجود المقاومة في جنوب لبنان.
ولهذا ضغط من أجل التهدئة في فلسطين وإجراء انتخابات في العراق وربما من أجل إحداث انقلاب في التحالفات الداخلية فيه إذا لم تحل مشكلة البرنامج النووي الإيراني دبلوماسيا.
_________________
كاتب فلسطيني