” الأراضي التي يسيطر عليها المسلمون تقلصت، وكان تدمير حارة المغاربة والحفريات حول أسوار الحرم الشريف والاستيلاء على مواقع حول الحرم وفتح نفق الحاشموئنيم كلها علامات على خسائر واضحة سياسيا واجتماعيا ” |
الأوقاف الإسلامية
يعالج الفصل الرابع من الكتاب وضع المسلمين في المدينة القديمة فيشير إلى تراجع دور المسلمين حيث تقلصت الأراضي التي يسيطرون عليها, وكان تدمير حارة المغاربة والحفريات حول أسوار الحرم الشريف والاستيلاء على مواقع حول الحرم وفتح نفق الحاشموئنيم كلها علامات على خسائر واضحة سياسيا واجتماعيا. ولكن من جهة أخرى هناك أدلة على حركة بعث جديدة للحياة الثقافية والإسلامية وإعادة إعمار وترميم العديد من المواقع الأثرية والسكنية, كما أن عدد المسلمين هناك في نمو.
ويعقد دمبر مقارنة مهمة بين حال أحياء القدس القديمة وأسمائها وأحوالها قبل الاحتلال الإسرائيلي وحالها بعد الاحتلال ومصادرتها، وكيف تم سلخ هويتها العربية والإسلامية عنها نتيجة لعمليات الهدم والبناء التي تمت ممارستها.
ومن هنا ينطلق دمبر لتبيان الإجراءات الفلسطينية المضادة, فيصف تأسيس الهيئة الإسلامية العليا من قبل مجموعة من رجالات القدس عام 1967 التي أعلنت رفض الاحتلال الإسرائيلي وأعلنت مسؤوليتها عن الأوقاف والمقدسات حتى جلاء الاحتلال.
ولكن دمبر يركز في بحثه على دور مديرية أوقاف القدس التي عملت كجزء من وزارة الأوقاف الأردنية, وكيف تمكنت من منع عدة مشاريع إسرائيلية في القدس القديمة لا سيما في عهد رئيس البلدية تيدي كوليك (1967-1993) الذي كان يحاول تجنب الصدام قدر الإمكان.
ولكن في حالات كثيرة لم تتمكن المديرية والهيئة العليا من فعل الكثير كما أن كلتا الجهتين أحجمتا حتى العام 1987 عن الذهاب للمحاكم الإسرائيلية على اعتبار أن ذلك قد يعني إقرارا بالاحتلال.
” عمدت إسرائيل في بدايات الاحتلال لإعطاء ميزات لرجال الدين المسيحي دون المسلمين ولبناء شبكة علاقات مع هؤلاء لا سيما وأن هناك العديد منهم من غير العرب كالرهبان اليونان الذين يسيطرون على الكنيسة الأرثوذكسية ” |
المجتمع المسيحي
يختص الفصل الخامس في الكتاب بوصف دور الوجود المسيحي في القدس القديمة, فهذا الوجود يعاني أزمة خانقة منذ عام 1967، حيث يتناقص عدد المسيحيين بإطراد. فبعد أن كانت نسبة المسيحيين عام 1922 تبلغ 23% من سكان المدينة أصبحت لا تتعدى الآن 3%. ويقدم دمبر مراجعة للتاريخ المسيحي في القدس منذ العهد العثماني, وكيف كان هذا الوجود ذريعة لدول استعمارية مثل روسيا وفرنسا للتدخل في فلسطين. ويلخص السياسة الإسرائيلية تجاه المسيحيين في القدس بثلاثة عناصر رئيسة :
-
الأول هو منع تطور تحالف واتفاق مسيحي إسلامي، لذلك عمدت إسرائيل في بدايات الاحتلال لإعطاء ميزات لرجال الدين المسيحي دون المسلمين, ولبناء شبكة علاقات مع هؤلاء لا سيما وأن هناك العديد منهم من غير العرب كالرهبان اليونان الذين يسيطرون على الكنيسة الأرثوذكسية.
-
الثاني منع تشكيل جبهة مسيحية موحدة, فالكنائس المسيحية في القدس تعيش خلافات عميقة منذ قرون طويلة منقسمة بين أقسام عدة أهمها الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية واللاتينية والأرمن.
-
الثالث محاولة شراء واستئجار أكبر قدر ممكن من أملاك الكنائس في المدينة لا سيما باستخدام وسائل كإقامة علاقات مع الرهبان غير العرب, واستخدام قدرتها على منح أو عدم منح تراخيص بناء وترميم وتأشيرات دخول وأذون إقامة لهؤلاء لحملهم على الاستجابة لطلباتها. 
المدينة القديمة والسلام
الفصل السادس والأخير للكتاب يعالج الصعوبات التي ستبرز بسبب المدينة القديمة في أي تسوية سلمية قادمة، ويقول إنه لم يعد متخيلا أن يعود الوضع لما قبل العام 1967, وإن أي حل سيكون من شأنه أن يبقي على الأقل أجزاء من المدينة القديمة تحت السيطرة الإسرائيلية. ويقول إنه رغم قوة الجماعات الاستيطانية اليهودية وتغلغلها في الأجهزة الحكومية والأمنية فإن قوتها قد تكون حاسمة في تشكيل الائتلافات الوزارية, ولكنها أضعف من أن توجه الرأي العام وتؤلبه ضد تسوية شاملة تتضمن تراجعا بشأن السيطرة على أجزاء من القدس القديمة.
القاسم المشترك بين مختلف خطط السلام أنها تعلن احترام توفير حرية العبادة للأماكن المقدسة المختلفة. ومن ضمن هذه الخطط خطط التدويل المختلفة التي يمكن تقسيمها لنوعين: الخطة الأولى لتدويل أراضي القدس عبر إيجاد نظام دولي في أراضي القدس عموما وفقا للحدود المرسومة في قرار الأمم المتحدة رقم 181 لعام 1947، والثانية وظيفية لتدويل مهام محددة في القدس تتعلق بإدارة وحماية الأماكن المقدسة سواء أكان ذلك عبر هيئة دولية خالصة أو تشكيل مجلس ديني من الطوائف المختلفة للقيام بهذه المهمة.
ويعرض دمبر لحل ثالث هو Extraterritoralization وهو نوع من الاستثناء السيادي, بمعنى أنه إذا احتفظت إسرائيل بالسيادة على المدينة المقدسة سيحظى الفلسطينيون بنوع من السيادة على الحرم الشريف وأماكن مسيحية وإسلامية أخرى، بالمقابل إذا حصل الفلسطينيون على هذه السيادة سيحظى الإسرائيليون بذلك النوع من السيطرة على أماكن يهودية.
وفي إطار استشرافه لحل يجري دمبر مقارنة بين الحرم الشريف والحرم الإبراهيمي في الخليل, حيث نجح عدد قليل من المستوطنين المدعومين بالجيش الإسرائيلي في أمر واقع أدى عمليا لاقتسام الحرم بين المسلمين واليهود وإلى تخصيص أوقات محددة لصلاة اليهود وأخرى للمسلمين، ويقول إن اتفاق الخليل بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية عام 1997 تضمن نوعا من الاعتراف بهذا الأمر الواقع. والواقع أنه يمكن فهم مقارنة دمبر هذه في إطار عام فقط وبأن أجزاء من الأمر الواقع الذي فرضه المستوطنون ستؤثر في الاتفاقات النهائية, ولكن لا يمكن فهم أوجه أخرى للمقارنة، فمثلا الوضع في الحرم الشريف ليس مشابها لما هو في الخليل.
|
” خطط التدويل تقسم لنوعين: *الأول لتدويل أراضي القدس عبر إيجاد نظام دولي في أراضي القدس عموما وفقا للحدود المرسومة في قرار الأمم المتحدة رقم 181 لعام 1947*والثانية وظيفية لتدويل مهام محددة في القدس تتعلق بإدارة وحماية الأماكن المقدسة ” |
نقطة أخرى يتوسع دمبر في الحديث عنها وهي مرحلة ما بعد عملية السلام، ويقول إن خطط السلام تعاني من أنها تحاول احتواء الأزمة الراهنة ولكنها لا تعالج الأزمات الناشئة بعد توقيع اتفاق. ويعرض لمشكلة معينة هي أن أعداد الزائرين والحجاج للقدس ستزداد بأعداد كبيرة جدا في مرحلة ما بعد السلام ولا سيما أعداد الحجاج المسلمين, ويورد تفاصيل وجداول إحصائية حول أعداد الحجاج المسلمين لمكة وتزايدهم والصعوبات الناشئة عن هذا التزايد, ويورد جداول وتحليلات حول مقدرة القدس على استيعاب أعداد كبيرة, فمثلا عام 2005 في حالة وجود سلام وإذا قرر 10% من حجاج مكة زيارة القدس فهذا يعني أن 370 ألف شخص قد يأتون للقدس خلال أسبوع, وهو ما يعادل 20% من سكان المدينة وهو ما يزيد كثيرا على الطاقة الاستيعابية للحرم الشريف والمدينة وقد يؤدي لصدامات بين الديانات المختلفة، هذا عدا الصعوبات الناشئة في مجالات مسؤوليات البنى التحتية والصيانة واقتسام الموارد التي تنشأ لا سيما وأن القدس بوجود الأديان الثلاثة فيها لن تجد فترات هدوء للصيانة والاستعدادات.
ويدعو دمبر للتفكير في مثل هذه الإشكاليات في إطار أي اتفاق سلام ولضرورة إدماج القيادات الدينية في المدينة في أي مفاوضات, مشيرا إلى أنه دون خطط واسعة وقرارات حادة وصعبة لن يكون بالإمكان الوصول للسلام وسيبقى موضوع السيادة على الأماكن المقدسة في مقدمة الملفات الصعبة لمستقبل السلام.
وهكذا فكتاب دمبر يحتوي العديد من النقاط الهامة ومن المعلومات المفيدة التي جاء بعضها نتاج جهد وبحث شخصي للكاتب مما يجعله ينفرد بتقديمها، ولكن هذا لا يمنع غياب عدة نقاط وملفات تحتاج للبحث, فمثلا التركيز الشديد على مرحلة ما بعد السلام جاءت على حساب مناقشة مرحلة المفاوضات نفسها وأغفلت اتجاهات وآراء وخططا سياسية لعدة قوى سياسية ودينية مختلفة.