|
-اسم الكتاب: من بونابرت إلى بلفور: فرنسا، أوروبا الغربية وفلسطين 1799-1917 -المؤلف: دومينيك ترامبور وران آرونسوهن (تحرير) -عدد الصفحات: 435 -الطبعة: الأولى 2002 -الناشر: المركز الوطني للبحث العلمي - باريس | |
في مقدمة هذا الكتاب الجماعي الذي شارك فيه 21 باحثا، يقول المحرران، دومينيك ترامبور (مركز البحث الفرنسي في القدس) وران آرونسوهن (الجامعة العبرية في القدس) إن الفترة التاريخية موضوع الدراسة 1799-1917 حددها حدثان تاريخيان، دخول نابليون بونابرت الشرق، وقيام دولة إسرائيل. وقد رأى مركز البحث الفرنسي في القدس أن يجمع مجموعة من الدراسات الخاصة بهذه الفترة منتهجا التنوع، لتقديم مؤلف يسمح بالتقاء كتاب من مختلف الأصول يدرسون المنطقة نفسها إبان الفترة نفسها ومن خلال وجهات نظر مختلفة. وعن هذه الحقبة التاريخية الهامة يقول المحرران "إنها تصادف القرن الأخير من السيطرة العثمانية، وعليه فهي ربما الأكثر ثراء من الناحية التاريخية، خاصة في مجال العلاقات الدولية". والكتاب هو الجزء الأول من مشروع يغطي الفترة ما بين 1799 و1948. وعن سبب التركيز على أوروبا الغربية دون إدراج روسيا يقول المحرران إن الهدف هو المقارنة بين الحقبتين، بينما الوجود الروسي في فلسطين انتهى مع ثورة أكتوبر/ تشرين الأول وسقوط الإمبراطورية العثمانية.
” القرن الـ19 كان قرن اختراع مصطلح الأرض المقدسة، الذي هو مصطلح ديني- سياسي يشكل بالنسبة للغرب البعد الافتراضي لفلسطين العثمانية ” |
فلسطين واجتياح بونابرت
يقول المحرران إنه بعد دخول بونابرت مصر واجتياحه العابر للأرض المقدسة، خرجت فلسطين من سباتها كمقاطعة داخلية لإمبراطورية شاسعة. ولم تكن فلسطين آنذاك كيانا سياسيا وإداريا محددا، حتى إن بونابرت لم ير أنها تستحق الزيارة. ومع القرن 19 خاصة بعد الحملة الفرنسية على مصر، بدأت فلسطين تجذب تدريجيا اهتمام القوى الأوروبية حتى أصبحت تحظى بأهمية جيوإستراتيجية كبيرة في حساباتها، لتصبح في ما بعد مسرحا للصراع بينها للحصول على المزيد من الامتيازات في الإمبراطورية العثمانية.
وفي إشارة لما كتب حول هذه الحقبة الزمنية، يقول المحرران إن أهم الأدبيات موجودة بالإنجليزية وأن أهم ومعظم ما كتب بهذه اللغة هو من فعل كتاب إسرائيليين. أما الأدبيات الفرنسية والتي كانت ضعيفة فقد حققت تقدما ملحوظا خلال العقدين الأخيرين. أما عن الأدبيات الألمانية، فيقولان إن زيارة الإمبراطور غليوم الثاني للأرض المقدسة في 1898 شكلت نقلة كمية ونوعية في هذه الأدبيات، حيث مثلت هذه الزيارة ولوجا رسميا لألمانيا في الشؤون الفلسطينية.
يلاحظ المحرران أن الأدبيات الأوروبية كانت في اهتمامها بفلسطين رهن التوجهات السياسية للقوى الأوروبية، حيث إن الدول الأكثر نفوذا في فلسطين أو التي أولتها اهتماما خاصا عرفت حركة نشر مهمة في مختلف الموضوعات حول فلسطين. أما في ما يخص الأدبيات الإسرائيلية المكتوبة بالعبرية، فهي تحوي أيضا مؤلفات إسرائيلية حررت بالإنجليزية وحتى الألمانية، ومن كتبوا بالعربية هم نفسهم الذين كتبوا بالإنجليزية خلال العقود الأخيرة.
ويلاحظان أن التأريخ الإسرائيلي فيما يخص فلسطين القرن التاسع عشر ركز على محورين أساسيين. أولهما الرحلات والمستعمرات الألمانية والأميركية والقناصل الأميركيون،
وثانيهما هجرة واستيطان اليهود.
أما في ما يتعلق بالأدبيات العربية، فيقولان إنها معروفة لكن قُلل من شأنها لاعتبارها تبريراً لمطالب وطنية.
يقول المحرران إن ما يعاب على التأريخ بصفة عامة بخصوص فلسطين هو كونه لم ينظر إليها نظرة شاملة بل اهتم بأجزاء منفصلة دون محاولة جمعها. كما أن التحليل التاريخي شابته المواقف السياسية، مما جعل مواقف المؤرخين متعارضة. لكن مع مرور الزمن تمكن التأريخ من الإلمام بمختلف جوانب هذه المنطقة بما تسمح به المصادر (التاريخية) المتاحة. وفي هذا الإطار يندرج هذا الكتاب الذي يقدمانه محاولة شاملة تطرح فيها مختلف التوجهات مع التركيز على الوجود الفرنسي في الأرض المقدسة.
ونظرا للعدد الكبير للمساهمين في هذا المؤلف، يتعذر ذكرهم كلهم، وعليه سنكتفي بالإشارة إلى أهم النصوص.
” الأدبيات الأوروبية كانت في اهتمامها بفلسطين رهن التوجهات السياسية للقوى الأوروبية، حيث إن الدول الأكثر نفوذا في فلسطين أو التي أولتها اهتماما خاصا عرفت حركة نشر مهمة في مختلف الموضوعات حول فلسطين ” |
مسرح لصراع النفوذ
وفي مساهمة افتتاحية قيمة بعنوان "فلسطين في العلاقات الدولية 1798-1914"، يوضح روجي هايكوك (جامعة بيرزيت) كيف تحولت فلسطين من منطقة هامشية في الإمبراطورية العثمانية المترامية الأطراف إلى مسرح لصراع النفوذ بين القوى الأوروبية. ويرى أن حملة نابليون "فتحت الشرق لأوروبا". وهذا الشرق كان أساسا مصريا، لكنه يضم فلسطين التي احتل بونابرت قسما من ساحلها، قبل أن يُقذف به خارجها من قبل أحمد باشا الجزار (حاكم مقاطعة صيدا) المدعوم من الإنجليز. وهنا يتحدث عن غزو سوريا من قبل محمد علي، أو بالأحرى نجله إبراهيم باشا عام 1831، والذي تمكن من الاستيلاء على فلسطين بتشجيع من فرنسا. وكان محمد علي يسعى لإقامة كيان جديد قوي على أنقاض الإمبراطورية العثمانية الهرمة. وقد انتهج إبراهيم باشا سياسة انفتاح حيال مسيحيي الشرق كما فتح القدس ودمشق للأوروبيين.
لكن مع تقدم الجيش المصري، تحركت القوى الأوروبية، إنجلترا، روسيا، النمسا وبروسيا
-باستثناء فرنسا
بعد انتقال مركز الثقل الأرثوذكسي من القسطنطينية إلى القدس، تحركت فرنسا والسلطة البابوية في روما: البطريق اللاتيني الذي يقيم منذ مئات السنين في روما نُقل في 1847 إلى القدس. ولم يتأخر التصعيد، الذي كان في بداية الأمر رمزياً، ثم أيديولوجياً، عثمانياً-عثمانياً قبل أن يصير عسكرياً ودولياً. فقد اضطرت السلطات العثمانية في 1847 لاستخدام الجيش لوضع حد لاشتباكات بين مختلف الطوائف المسيحية في القدس. ومن هنا قاد التصعيد تدريجياً نحو الحرب في كريميا (1853-1856) بين روسيا من جهة والقوى الأوروبية الأخرى في إطار تحالف ضم الإمبراطورية العثمانية وسردينيا (إيطاليا فيما بعد). وحسب المؤلف فإن "حرب كريميا حرب وقائية، لمنع روسيا من تحويل الإمبراطورية العثمانية إلى محمية