عرض/ كامبردج بوك ريفيوز
يتحدث مؤلف هذا الكتاب البروفيسور محمود الذوادي أستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية، عن نوع آخر من التخلف غير التخلف الاقتصادي والتكنولوجي الذي يتم الحديث عنه في العادة. إنه التخلف الثقافي واللغوي والنفسي الذي يرى المؤلف أنه تخلف مسكوت عنه ولا يخضع للتحليل والنقاش والبحث كما هو الحال بشأن التخلف الأول.
|
-اسم الكتاب: عولمة الهوية الثقافية لبلدان العالم الثالث -المؤلف: محمود الذوادي -عدد الصفحات: 161 -الناشر: Kuala Lumpur: A.S Noordeen 2002 | |
في البداية يحاول الكتاب تحديد وتعريف معنى التخلف الآخر، ويقول إنه التخلف اللغوي والثقافي الذي يتجسد على شكل نظام نفساني وثقافي تتداخل في تشكيله مجموعة من العوامل، منها ما هو متعلق بالماضي والتاريخ، ومنها ما يتعلق بالحاضر وبعقد النقص التي يستشعرها كثير من أبناء العالم الثالث، في حين أن بعضا آخر منها يتعلق بالضغوط والتأثيرات الغربية والمركزية المعرفية المرافقة لها.
وأهم ملامح هذا التخلف هي تقليد الغرب، الطرف الغالب في التوزيع الحضاري الراهن. وهو يربط هذا التقليد بنظرية ابن خلدون التي تصف تقليد الطرف المغلوب للطرف الغالب في دورات الحضارات.
في الفصل الأول يبدأ المؤلف توضيح الإطار النظري لأطروحة الكتاب، وفيها يرى أن ظاهرة التخلف الثقافي اللغوي التي تمتد لتشمل العالم الثالث وليس فقط العالم العربي، لها بعدان ثقافي ونفسي. ويبدأ باستعراض الإطار الجغرافي لانتشارها فيعرج إلى أفريقيا السوداء ليعالج الوضع الحالي الموسوم بسيطرة اللغات الإنجليزية والفرنسية والبرتغالية، وهو وضع يشمل 38 دولة في القارة السوداء.
ويقسم المؤلف هذه الدول إلى مجموعتين: الأولى ناطقة بالفرنسية والثانية ناطقة بالإنجليزية. ومن المجموعة الثانية هناك دول مثل: أوغندا وغانا ونيجيريا وليبيريا وسيراليون، في حين تنتمي دول مثل السنغال وتشاد وغويانا والكونغو إلى الدول الناطقة بالفرنسية. وهناك أيضا مجموعة أخرى من الدول ناطقة بالبرتغالية مثل أنغولا وموزمبيق وغينيا بيساو.
” تمثل الدول المغاربية أوضح حالة على التخلف اللغوي والثقافي حيث سيطرة اللغة الفرنسية شبه المطلقة على الفضاء الثقافي في تلك البلدان ” |
أما عربيا فتمثل الدول المغاربية أوضح حالة على التخلف اللغوي والثقافي كما يقول المؤلف حيث سيطرة اللغة الفرنسية شبه المطلقة على الفضاء الثقافي في تلك البلدان.
لكن من الملاحظ أنه رغم تحليل المؤلف للأسباب والخلفيات الاستعمارية التي تسببت في ظاهرة التخلف اللغوي والثقافي, فإنه ينزلق في بعض الأحيان إلى مقولات شبه استشراقية، إذ يقول مثلاً "إن التخلف اللغوي في أفريقيا السوداء يجب أن لا يفسر فقط من خلال الإمبريالية الغربية, بل إن هناك ظروفاً محلية بنيوية للتخلف اللغوي موجودة في تلك البلدان" (صفحة 4). ويستشهد على ذلك التخلف البنيوي بوجود لغات محلية عديدة جداً في الكثير من الدول الأفريقية وعدم وجود لغة وطنية واحدة، فضلاً عن وجود لهجات محكية أكثر بما يعقد من الوضع اللغوي.
وحول الوضع اللغوي والثقافي في شمال أفريقيا (تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا) يقول المؤلف إنه برغم أن اللغة العربية أصبحت هي اللغة الرسمية المعلنة لهذه البلدان في حقبة ما بعد الاستقلال فإن المكانة المميزة للغة الفرنسية -خاصة في القطاعات الحديثة- وكذا استخدام اللغة المحكية التي هي خليط من العربية والفرنسية, يعكس أحد أهم مظاهر التخلف اللغوي.
ويشير إلى الجهود الرسمية وغير الرسمية في تفعيل سياسات التعريب, لكنه يقول إن هذه السياسات لم تنجح بعد في إزالة التخلف اللغوي, وإعادة الاحترام للغة العربية كلغة وطنية وموحدة للمجتمعات. وهو يرى أن نجاحات سياسات التعريب تعتبر حجر الأساس في القضاء على التخلف الثقافي واللغوي هناك.
وهنا يشير المؤلف إلى أن فرصة الدول المغاربية في التخلص من التخلف اللغوي تظل أكبر بكثير من فرص بقية الدول الأفريقية في القارة السوداء, وذلك لعدة أسباب يراها كالآتي:
- اللغة العربية منتشرة ويتم التحدث بها وفهمها من قبل الغالبية الكاسحة في هذه المجتمعات.
- اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم الكتاب المقدس عند المسلمين.
- قوة اللغة العربية كلغة أثبتت متانتها عبر التاريخ والحضارات, فمن خلالها ترجمت العلوم الإغريقية والرومانية, وهي ليست باللغة الهشة التي يمكن اقتلاعها من الجذور.
وفي نقطة أبعد من التخلف اللغوي المحدد الذي توقف عنده الكتاب, يسهب المؤلف في تحليل التخلف الثقافي ويربطه بالأثر الكبير للغرب وقيمه ومنظومته الفكرية على تشويه وتشتيت منظومات القيم الثقافية والمحلية في العالم الثالث. وهنا يتحدث عن مفهوم "الغزو الثقافي" الذي يعتبره أخطر أنواع الغزو لأنه يمس جوهر حياة الناس التي اعتادوا عليها تاريخيا وتشكل محور الوجدان والانتماء عندهم.
أما على صعيد التخلف النفسي (السيكولوجي) فيلحظ المؤلف كيفية تطور عقدة النقص واحتقار الذات عند مجتمعات العالم الثالث, وخاصة عندما ينظر أفراد هذه المجتمعات إلى الغرب باعتباره النموذج الحضاري الناجح. ويرى المؤلف أن التخلف السيكولوجي يعبر عن نفسه لغويا عبر تبني لغة الطرف القوي المتغلب ومحاولة تقليده.
” سيطرة النمط الرأسمالي على عالم اليوم سواء بدوله المتقدمة أو المتخلفة تعني تكريس الغنى والتقدم للدول المتقدمة وتكريس الفقر والتخلف للمتخلفة ” |
الفصل الثاني يخصصه المؤلف لمناقشة الرأسمالية وأثرها على التنمية البشرية وخلق التخلف الآخر، وهو يرى أن سيطرة النمط الرأسمالي على عالم اليوم سواء بدوله المتقدمة أو المتخلفة, تعني تكريس الغنى والتقدم للدول المتقدمة وتكريس الفقر والتخلف للدول المتخلفة, لهذا فهو يعلن معارضته لهذا النمط ولا يراه الحل لدول العالم الثالث.
ويناقش المؤلف أولا موضوع الدولة التنموية في العالم الثالث, والنظريات التي تطرح هنا سواء تلك المتعلقة بردم الفجوة التنموية مع العالم المتقدم والسير على خطاه, أو تلك التي تنظر إلى التخلف في العالم الثالث نظرة بنيوية وعلى اعتبار أن اللحاق بالغرب أمر صعب المنال في ظل إشكالية الاعتماد الكلي عليه. ثم يتحدث عن الأثر العميق الذي خلفته الرأسمالية في التطور العالمي، مقرا بإنجازاتها الكبيرة من ناحية, وناقدا لها من ناحية أخرى لما تتركه من آثار سلبية وتشوهات على تطور وتنمية الدول الفقيرة والضعيفة.
لكنه في الوقت ذاته لا يعرض البديل الذي يمكن أن تتبعه هذه الدول ويحقق لها تنمية متعددة المستويات, وخاصة على مستوى التخلف الآخر الذي تعاني منه ويركز عليه المؤلف بكونه على نفس الأهمية من التخلف الاقتصادي والتكنولوجي والاجتماعي.
وبانتقاد يشير المؤلف إلى خلو النموذج الرأسمالي من أي مضمون أخلاقي كما يقول, وتحديدا أي بعد ديني يهذب السمات التي يتصف بها مثل الركض وراء الربح بأي وسيلة والطمع وعدم الاهتمام بأي أبعاد إنسانية خلال عملية اللهاث خلف تكديس المنافع المالية. ثم يحلل آلية اشتغال الرأسمالية بتحقيق التنمية من الداخل, ويتشكك في نجاحها في أي مكان وأي منطقة من دون أن ترافقها الشروط التاريخية التي رافقتها في منطقة نشأتها الغربية الأوروبية الأصلية.
والأهم من ذلك يبدأ المؤلف بربط أثر الرأسمالية ونمطها الاقتصادي على "التخلف الآخر" في العالم الثالث، ويقول إن هناك ثلاثة مظاهر للاستعمار لاتزال ماثلة في البلدان التي كانت مستعمرة, وهي تتوزع على المجالات السياسي والاقتصادي والثقافي. وكما كان الوضع أيام الاستعمار التقليدي فإن القوة الاستعمارية المعنية تسيطر على الفضاء السياسي طبعا, وتنصب آلية فوقية مرتبطة بها.
أما اقتصاديا, فهي تدمر الاقتصاد المحلي وتعمل على إنشاء اقتصاد بديل تابع لها بحيث تتحكم في عناصره الأساسية, وفي الغالب الأعم تكون وجهته خدمة القوة الاستعمارية المسيطرة بالدرجة الأولى, ثم السكان المحليين واحتياجاتهم في الدرجة الثانية. وثقافيا, تشتغل القوة الاستعمارية على تفكيك البنى الثقافية واللغوية المحلية, وتحطيم الأنوية الصلبة فيها كالعقائد والتقاليد والأنماط الثقافية الممتدة تاريخيا والتي ينظر إليها الاستعمار كقلاع تتحدى أهدافه الثقافية والسياسية. وخلال السيطرة الكلية هذه تنشأ علاقات اتكالية يقوم من خلالها المستعمَر بتقليد القوة المستعمِرة في الكثير من الأبجدية بما يشوه التكوين الأصلي للثقافة والهوية, وهو منشأ "التخلف الآخر".
أما سياسيا واقتصاديا فقد تكفلت نظرية "الاعتمادية" (dependency) التي تطورت في الأوساط اليسارية العالمثالثية في ستينات وسبعينات القرن الماضي خاصة في أميركا اللاتينية. ويتوسع المؤلف هنا في موضوع "الرموز الثقافية" سواء الحقيقية المحلية, أو تلك المخلقة التي يصنعها الاستعمار ويفرضها على الثقافة المستعمَرة.
وفي هذا السياق يتطرق إلى نظرية عالم الاجتماع الأميركي الشهير وليام أوغبيرن في أواسط القرن العشرين, بشأن الفجوة الثقافية. أوغبيرن يقول إن التطور الإنساني -خاصة في القرون الأخيرة- امتاز بتباطؤ التطور الثقافي والقيمي عن التطور الاقتصادي والتكنولوجي. ففي كل مرحلة من المراحل, وفي كل منطقة من المناطق نرى أن المجموعات البشرية تتقدم بسرعة معينة في المسارات التقنية والاقتصادية, في حين تكون سرعتها في المسارات الثقافية والقيمية أبطأ بكثير.
ومن هنا فإن ما نراه في العالم الثالث وفي أكثر من مكان في العالم, يتساوق في أكثر من جانب منه مع تنظير أوغبيرن, هذا مع أن المؤلف يرى أن هذه النظرية وإن كانت تصف ما يحدث فإنها تقف عاجزة عن تقديم أسباب لهذا التباطؤ والفجوة بين مسارات التنمية والتقدم المختلفة.
في الفصلين الثالث والرابع يتوسع المؤلف في التطرق إلى مسألة التعريب في شمال أفريقيا وخاصة في تونس والجزائر. وهو إذ يرى ابتداء أن ماكينة التعريب نشطت في هاتين الدولتين في مرحلة ما بعد نشوء دولة الاستقلال, فإنه يلحظ أن جهد التعريب ظل يتخبط من جهة وظل عاجزا عن النفاذ إلى قلب حركة المجتمع.
” الجهد الرسمي على صعيد التعريب كان أسرع وأنشط من الجهود غير الرسمية. بل إن الكثير من القطاعات غير الرسمية -خاصة الحداثية- وتلك المرتبطة بفرنسا سواء اقتصاديا أو ثقافيا, لم تتحمس للتعريب وأبقت على استخدام الفرنسية في حياتها اليومية ” |
والأمر الملفت حقا للانتباه في معالجة المؤلف هو تقديره بأن الجهد الرسمي على صعيد التعريب كان أسرع وأنشط من الجهود غير الرسمية. بل إن الكثير من القطاعات غير الرسمية -خاصة الحداثية- وتلك المرتبطة بفرنسا سواء اقتصاديا أو ثقافيا, لم تتحمس للتعريب وأبقت على استخدام الفرنسية في حياتها اليومية.
ويتعرض المؤلف للشرائح الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المختلفة وكيف نظرت إلى التعريب، فالجيش مثلا في البلدين لم يكن متحمسا جدا للتعريب رغم أن المؤسسة العسكرية في الجزائر كانت هي الحاكمة في عهد بومدين مثلا.
وهناك أيضا شرائح المثقفين المتفرنسين وهؤلاء بالتعريف وقفوا ضد التعريب, وساندهم في ذلك ذوو العلاقات الاقتصادية الوثيقة بفرنسا، في حين وقفت شرائح المثقفين التقليديين والمتدينين مع التعريب بكل قوة.
لكن تظل القوة الأساسية في قيادة لواء التعريب وإنجاحه -بحسب ما يرى المؤلف- في أيدي النخبة السياسية الحاكمة. ويشير هنا مثلا إلى أن حركة التعريب وفعاليته كانت أنشط في الجزائر منها في تونس خلال عهدي الرئيسين بومدين وبورقيبة, وهذا كان يعكس الإرادة السياسية للقيادات.
كما تلعب الخلفية الثقافية واللغوية والأيدولوجية لهذه النخبة الدور الحاسم في دفعها أو تباطئها نحو التعريب. ويرى أن تسلط بعض النخب العلمانية والمتفرنسة في الكثير من مراحل الحكم السياسي -خاصة في مجال التعليم والتعليم العالي والثقافة- أثرت على عملية التعريب وأربكتها.
ويقول على سبيل المثال إنه لو وصلت إلى الحكم في هذه البلدان حركات إسلامية فإن حركة التعريب ستشهد نهضة كبيرة جدا, وستنتعش اللغة العربية وتأخذ مركزا محوريا في البلاد.
والمؤلف عموما لا يدعو إلى الانقطاع عن اللغات الأجنبية أو الثقافات الوافدة, لكنه يرى أنه يجب أن يسبق استخدامها والتعامل بها تأمين أرضية ثقافية محلية صلبة. فمن ناحية عملية يشير إلى أمثلة في أوروبا وغيرها وكيف أن اللغة الثانية -والثقافة الثانية- يتم إدخالها على مناهج التعليم والثقافة بعد أن يمر التلاميذ بمرحلة تشبع من الثقافة الوطنية لا تزاحم من قبل لغات وثقافات أخرى كما يتم في الكثير من بلدان العالم الثالث.
في الفصلين الخامس والسادس يقدم المؤلف قراءة تفصيلية مثيرة لظاهرة قليلا ما يتم التطرق إليها، وهي ما تتضمنه اللهجات المحلية في تونس والجزائر بسمتها الخليطة -أي خلط العربية بالفرنسية- وكذلك انتشار الشتيمة والدعاء على الآخرين.
أولا, يناقش قضية انتشار نمط الحديث المختلط حيث يعمد المتحدث إلى استخدام مفردات وجمل فرنسية خلال الحديث بالعربية, وعادة باللهجات المحلية. وتنتشر هذه العادة بين النساء بشكل أوسع كثيرا مما هي عليه بين الرجال. والتعليل الأساسي هنا يرده المؤلف إلى جذور اجتماعية لها علاقة بوضع المرأة إزاء الرجل في هذه المجتمعات. فإزاء الضغوط التي تتعرض لها, وعدم وجود حرية تتمتع بها في أكثر من مجال، ترى المرأة أنها بتشبهها بلغة فرنسا "المتحضرة" تهرب من واقعها. وينطبق الأمر على استخدام النساء التونسيات والجزائريات للهجة الباريسية عندما يتحدثن الفرنسية, بخلاف الرجال.
والتركيز الذي يوليه المؤلف على حرف "الراء" الذي يلفظ بالفرنسية الباريسية "غينا". فالإناث هنا يلفظنه مثل "الغين" في حين يلفظه الرجال "راء". ومن ناحية تاريخية عمد الجزائريون في جلهم وخلال عقود الاحتلال الفرنسي إلى "نحت لغة فرنسية" خاصة بهم تختلف عن لغة المستعمر من ناحية اللهجة. وكان نطق حرف "الراء" أهم مميز للغة الفرنسية التي تحدث بها الجزائريون. أما في مرحلة لاحقة فقد بهت هذا التميز خاصة مع الأجيال الجديدة التي نشأت بينها وبين الفرنسية علاقة تختلف عن تلك التي نشأت بين آبائهم وأجدادهم ولغة المستعمر.