نظم مركز الجزيرة للدراسات ملتقى حول العلاقات العربية الروسية على مدار يومي الرابع والعشرين والخامس والعشرين فبراير / شباط 2009 وذلك خلال خمس جلسات دعي إليها لفيف من الباحثين والسياسيين والإعلاميين من روسيا الاتحادية ومن الدول العربية.
وقد افتتح المدير العام لشبكة الجزيرة وضاح خنفر الملتقى بكلمة ترحيبية بالحضور منوها فيها بأهمية هذا المؤتمر في ضوء تنامي الدور الروسي مجددا على الساحة الدولية.
كما بين مدير المركز الدكتور مصطفى المرابط أن نقاش وبحث العلاقات العربية الروسية أمر ضروري في هذه المرحلة التاريخية الحساسة من التحولات الدولية، خصوصا وأن العالم يشهد تغيرا في المفاهيم ذات البعد الإستراتيجي في العلاقات الدولية.
الجلسة الأولى.. السياق التاريخي
الجلسة الثانية.. التعاون السياسي والديبلوماسي
الجلسة الثالثة.. التعاون الأمني والاقتصادي والإستراتيجي
الجلسة الرابعة.. الإعلام على المحك
الجلسة الختامية.. آفاق المستقبل
السياق التاريخي
إضغط لمشاهدة الجلسة الأولى
الأبعاد التاريخية والثقافية
| لم يبدل تغير الأنظمة حديثا من القيصرية إلى النظام الاشتراكي في عهد الاتحاد السوفييتي الكثير من تفاعل العلاقات بين الطرفين ومع ظهور روسيا الاتحادية بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وقع مد وجزر في العلاقة بين الطرفين |
خصصت الجلسة الأولى من فعاليات الملتقى لتأصيل البعد التاريخي للعلاقات الروسية العربية تمهيدا للجلسات التالية التي تناولت الحاضر بحراكه والمستقبل بآماله. وكان للمستعرب الروسي الباحث الدكتور ديمتري ميكولسكي مداخلة بين فيها المسارات التاريخية لعلاقات روسيا بالعرب بدءا بالعهد البيزنطي عندما كان العرب يسمون الروس "الحمر" نسبة للون شعورهم، وقد استنطق الباحث في هذا السياق نصوصا عربية من بينها تاريخ المسعودي ونص ابن فضلان وغيرها. وأخذت علاقة الطرفين أبعادا منها المواجهة العسكرية (حروب الخزر خلال الفترتين الأموية والعباسية)، ومنها التبادلات التجارية التي ظلت السمة الغالبة للعلاقات الروسية العربية عبر التاريخ. كما بين المستعرب ميكولسكي أن الشراكس وهم أحد الأعراق الروسية كانوا من أبرز المماليك في قصور بغداد في العصر العباسي وفي بلاط الأغالبة.
ولم يبدل تغير الأنظمة حديثا من القيصرية إلى النظام الاشتراكي في عهد الاتحاد السوفييتي الكثير من تفاعل العلاقات بين الطرفين. ومع ظهور روسيا الاتحادية بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وقع مد وجزر في العلاقة بين الطرفين.
شراكة الماضي في ثوب المستقبل
تحدثت أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة الدكتورة نورهان الشيخ عن العلاقات العربية الروسية تحت مسمى مظاهر التواصل بين الطرفين مركزة على مسار تلك العلاقات بعد التحولات الدولية التي ظهرت بعد تفكك الاتحاد السوفيتي. وأبرزت نورهان أن روسيا، وإن غلب على سياستها الخارجية الطابع البراغماتي مراعية بذلك مصالحها الاقتصادية والأمنية، فإنها بقيت القوة الدولية الأفضل للعرب في علاقاتهم الإستراتيجية. فهنالك دعامات –تجعل علاقات الطرفين مبينة على أسس متينة وهي الاقتصاد والأمن الإقليمي والتعاون الثقافي والتقارب الاجتماعي خصوصا وأن روسيا ليس لها إرث استعماري لا في عهدها القيصري ولا العهد الشيوعي.
المصلحة الروسية مع العرب
وكان عضو المجلس الاتحادي الروسي وممثل جمهورية الشيشان بمجلس الشيوخ زياد سبسبي قد بين في مداخلته أن العلاقات العربية الروسية من المنظور الروسي توحي برغبة موسكو في تحسين علاقاتها بالعالم العربي إلا أنه على الطرف العربي أن يتجاوب مع هذه الرغبة.
التعاون السياسي والديبلوماسي
إضغط لمشاهدة الجلسة الثانية 
قوى الطرد والجذب
| لعبت حرب الشيشان دورا سلبيا حيث أثر في تطوير العلاقات الروسية العربية لا سيما مع محاولة الغرب تحجيم الدور الروسي وحصره في خانة "محاربة المسلمين" و"دولة المافيا وتجارة الرقيق والمخدرات" |
وفي الجلسة الثانية دار النقاش حول التعاون السياسي والدبلوماسي. وقد قرأ أستاذ الجغرافيا السياسية في جامعة القاهرة وخريج الجامعات الروسية الدكتور عاطف عبد الحميد تداعيات الوضع الداخلي لروسيا الاتحادية على السياسة الخارجية الروسية في إطار ما سماه الباحث قوى الطرد والجذب المركزية. وبين عاطف أن التحولات السياسة والاقتصادية الداخلية التي جعلت من روسيا "وريثة حطام مهلهل" دفعت بتلك القوة العظمى إلى مجرد دولة إقليمية منزوعة المخالب ومتهالكة القدرات الاقتصادية.
وقد لعبت حرب الشيشان دورا سلبيا حيث أثر في تطوير العلاقات الروسية العربية لا سيما مع محاولة الغرب تحجيم الدور الروسي وحصره في خانة "محاربة المسلمين" و"دولة المافيا وتجارة الرقيق والمخدرات". غير أن ظهور البراغماتية الروسية في عهد فلاديمير بوتين جعل روسيا تتمسك بمفهوم الأمن القومي مستفيدة من ارتفاع أسعار النفط والغاز ومحدِّثة قدراتها العسكرية وعائدة ولو بشكل تدريجي إلى الساحة الدولية وهو ما يسميه الباحث بـ"مراكز الجذب". وقد دفعت هذه العوامل بموسكو إلى خوض مواجهة عسكرية مع جورجيا وإلى استخدام الطاقة سلاحا سياسيا، لا سيما مع الجمهوريات السوفيتية السابقة الساعية للخروج عن مجالات التأثير الروسي، كما هو الحال مع أوكرانيا.
العودة على الساحة الدولية
أما السفير الروسي السابق في واشنطن فاتسيلاف ماتزوف فقد بين أن الامتداد الجغرافي لروسيا الاتحادية من المحيط الهادئ شرقا إلى بحر البلطيق غربا وجمعها بين قارتين (آسيا وأوروبا) كفيل بجعلها فاعلا رئيسيا في الساحة الدولية. وربط بين عودة روسيا من جديد وبين نجاح الرئيس السابق ورئيس الوزراء الحالي فلاديمير بوتين الذي سير –حسب ماتزوف- السياسية الروسية داخليا وخارجيا معيدا لموسكو هيبتها الدولية وسيطرتها على مقدراتها القومية.
وذكر ماتزوف بسيطرة اللوبي اليهودي على 65% من المقدرات الاقتصادية الروسية التي تجمعت في يد سبعة أشخاص من الأوليغارشيا مما جعل العلاقات الروسية العربية في عهد الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين تشهد تراجعا ملحوظا. وأوضح أن ما يسمى "التحالف الأوراسي" يحكم الآن السياسة الخارجية الروسية حيث أصبحت تستند على قدمين ثابتتين إحداهما آسيوية والأخرى أوروبية.
وبين ماتزوف أن العالم العربي والإسلامي يشكل عمقا إستراتيجيا لروسيا التي تضم بين مواطنيها 25 مليون مسلم.
صديق مكروه وعدو محبوب
اعتبر السفير العراقي السابق لدى موسكو عباس خلف أن هذه العلاقات ببعديها السوفيتي والروسي قد شابتها سلبيات وإيجابيات وهو ما جعلها تتراجع وتتقدم في نفس الوقت. وحمَّل خلف الجانب العربي مسؤولية عدم تطوير العلاقات العربية الروسية إلى ما هو مطلوب غير أن عقلية السفراء العرب الموفدين على العاصمة الروسية وجهلهم بالثقافة واللغة الروسية أثر سلبا في العلاقات بين الطرفين. وقراءة الدبلوماسي العراقي تقوم على وضع العلاقات في إطار معادلة ذات حدين متناقضين فروسيا "صديق مكروه" في مقابل أمريكا "العدو المحبوب" وهي مفارقة غريبة تحمل سمة الشجرة السامقة التي لا تستند إلى جذور قوية تمنحها الثبات في عالم لا يعترف إلا بتبادل المصالح.
التعاون الأمني والاقتصادي والإستراتيجي
إضغط لمشاهدة الجلسة الثالثة 
تراجع العلاقات
| لا بد من تحرير العلاقات المستقبلة "من الطبيعة العاطفية التي هيمنت عليها خلال الحقبة السوفيتية" والابتعاد عن "الرغبات والتمنيات بقراءة الظروف المحيطة قراءة عقلانية |
أما الجلسة الثالثة فقد بينت المتدخلون فيها أن هناك ضرورة لإيجاد شراكة لكن بحسابات مختلفة نظرا لاختلاف الهموم والمصالح في عالم سريع التبدل والمعطيات ويتطلب من الجميع معرفة الهدف قبل تحديد الآليات. وقد تحدث نائب رئيس مجلس الأعمال الروسي العربي فاسيلاف لوتسينكو عن الإطار التاريخي للعلاقات الاقتصادية العربية الروسية التي حكمتها في الحقبة السوفيتية طبيعة الأنظمة السياسية التي كانت ترى في الاتحاد السوفيتي السابق منظومة تقليدية تعتمد مقايضة السلاح والتكنولوجيا بالمواد الخام أو الإنتاج الزراعي. أما في عهد روسيا الاتحادية فقد شهدت هذه العلاقات تراجعا كبيرا لتغير النظام الاقتصادي في روسيا إلى اقتصاد السوق المفتوح مما حيد العامل الأيديولوجي من المعادلة الجديدة وفرض قوانين السوق بكافة تفاصيلها.
وذكر العسكري السابق ونائب رئيس المركز الروسي للدراسات الجيو إستراتيجية قسطنطين سيفكوف أن التعاون العسكري بين روسيا والعالم العربي كان يندرج في إطار علاقة تاريخية حكمتها قوانين الحرب الباردة خلال الحقبة السوفيتية والتي لعب العامل الأيديولوجي فيها دورا مؤثرا. على أن هذا التعاون اليوم يبقى مطلوبا لتشابه التهديدات التي يواجهها الطرفان في ظل الهيمنة الأميركية. ويعترف قسطنطين بأن الحسابات الإستراتيجية الروسية في هذا الإطار ربما لا تتفق تماما مع الحسابات العربية سواء من حيث أمنها الإقليمي أو في إطار الصراع العربي الإسرائيلي، خصوصا وأن هناك تعددا واختلافات عربية بهذا الشأن.
تعدد الإستراتيجيات
وقد بين الكاتب وعضو مجلس الإعلام الوطني اللبناني غالب قنديل أن هناك عائقا أساسيا يقف في وجه تطوير التعاون الإستراتيجي بين العرب وروسيا وهو تعدد الإستراتيجيات العربية التي تصنف الدول العربية في كيانات ذات أبعاد ومصالح إستراتيجية تكاد تكون متناقضة. وهنا لا بد -كما يبين قنديل- من تأسيس شراكة إستراتجية بين العالم العربي وروسيا، وهناك عاملان يؤثران في طبيعة هذه العلاقة بل ويوجهانها إلى صيغة أكثر عقلانية تتجاوز بكثير الأحلام والأمنيات. أحدهما طبيعة المصالح الروسية وتقدير الرد الأميركي ومدى قدرة روسيا على التعامل مع هذا الرد وإمكاناتها في تعطيل مفاعيله. وثانيهما تطور حركة الصراع في المنطقة العربية وطبيعة التحولات في الموقف السياسي الروسي وتوظيفها لصالح أمن المنطقة دون دفع روسيا لتسديد تكاليف سياسية مجانية.
الأمن الإقليمي
وقد دعا أستاذ العلوم السياسية في جامعة قطر الدكتور إبراهيم إلى ضرورة توفر شرط الندية والتكافؤ لقيام شراكة إستراتيجية روسية عربية يمكن توظيفها في تحقيق الأمن الإقليمي تعبر عن حاجة كل من الطرفين للآخر، مع ضرورة تحرير العلاقات المستقبلة "من الطبيعة العاطفية التي هيمنت عليها خلال الحقبة السوفيتية" والابتعاد عن "الرغبات والتمنيات بقراءة الظروف المحيطة قراءة عقلانية. وبإمكان الشراكة الروسية العربية أن تبنى آلياتها على ثلاثة مواضيع رئيسية هي التعددية الدولية والتعاطي مع أنماط وأشكال الفكر الراديكالي وتسوية المشكل العربي الإسرائيلي.
الإعلام على المحك
إضغط لمشاهدة الجلسة الرابعة 
وقد تحدث رئيس تحرير قناة الجزيرة أحمد الشيخ عن روسيا كما تعكسها عدسة الإعلام العربي مبرزا الآمال التي يعلقها الإعلام العربي على الإعلام الروسي الناطق بالروسية.
كما تعرض الدبلوماسي السابق ومدير قناة روسيا اليوم أغانيد غيدار لتجربة قناة روسيا اليوم وتفاعلها مع الأخبار العربية ومحاولتها تقديم تجربة إعلامية روسية ناطقة باللغة العربية.
آفاق المستقبل
إضغط لمشاهدة الجلسة الخامسة 
آفاق العلاقات العربية الروسية
| روسيا عائدة إلى النظام الدولي بقوة ولو كانت تلك العودة فيها نوع من التدرج، والمنطقة العربية مهما بلغت حالتها العامة من عدم التنسيق المشترك فإنها تبقى مجالا إستراتيجيا لا يمكن لدولة عظمى مثل روسيا إلا أن تنسق معه |
خصصت الجلسة الختامية لمستقبل العلاقة الروسية العربية وقد أنعشها أربعة متدخلين اثنان يمثلان الجانب العربي واثنان عن الجانب الروسي. وقد انصبت الجلسة على توضيح جملة من التصورات التي من شأنها تطوير العلاقات الروسية وكيفية النهوض بها بما يخدم مصلحة الطرفين خصوصا وأن شراكتهما ليست من باب المجاملات بل تعتمد الطرح الواقعي وتقوم على مصالح إستراتيجية.
وكمهاد للمقترحات أجمع الكل على أن روسيا عائدة إلى النظام الدولي بقوة ولو كانت تلك العودة فيها نوع من التدرج كما أجمع الكل كذلك على أن المنطقة العربية ومهما بلغت حالتها العامة من عدم التنسيق المشترك فإنها تبقى مجالا إستراتيجيا لا يمكن لدولة عظمى مثل روسيا إلا أن تنسق معه.
ويمكن تصنيف المقترحات التي خرج بها الملتقى إلى أربع دعامات:
أولا: الدعامة الأهلية أو الشعبية
-
تعزيز "الدبلوماسية الشعبية" هروبا من البيروقراطيات الرسمية التي قد تعرقل الرغبة في التواصل بين الطرفين.
-
تنشيط دور الجمعيات الأهلية والبرلمانات من اجل مد الجسور بين الطرفين.
-
الاعتماد على فكرة العلاقات العامة للوصول إلى صانع القرار الروسي لإقناعه بأهمية تطوير العلاقات العربية الروسية محملا في هذه النقطة الهيئات الشعبية لا سيما البرلمانية منها مسؤولية هذه المهمة.
ثانيا: الدعامة الإعلامية
ثالثا: الدعامة الثقافية وتفعيل القوة الناعمة
-
مد جسور التعاون مع العالم العربي في المجالات الثقافية والأكاديمية والبحثية.
-
تنشيط الترجمة من الروسية إلى العربية والعكس.
-
الاستفادة من التجربة الروسية الناجحة في التعايش المشترك بين القوميات والإثنيات التي تضمها روسيا على مساحة جغرافية واسعة.
-
الاستفادة من وجود ما يناهز 25 مليون مسلم بروسيا يمثلون عمقا إستراتيجيا للعالم العربي.
-
إقامة مراكز بحث مشتركة.
-
تكوين مرجعية لخريجي الجامعات الروسية في العالم العربي.
-
التواصل بين الكنائس الشرقية.
رابعا: الدعامة الاقتصادية والسياسية
-
تفعيل التعاون التجاري والمالي بين الطرفين.
-
ضرورة توجيه الاستثمار العربي نحو روسيا.
-
تنظيم مؤتمر على مستوى صانعي القرار بشأن العلاقات العربية الروسية لبحث هذه المسألة مباشرة.
-
تأسيس قاعدة مشتركة عبر التمثيل البرلماني لوضع التشريعات الملائمة والأسس القانونية التي تخدم تطوير العلاقات بين الطرفين.
