ابحث عن
 
العضوية|من نحن|إلى الجزيرة|بيانات صحفية|خريطة الموقع|مركز المساعدة
الأحد 17/8/1425 هـ - الموافق3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:33 (مكة المكرمة)، 10:33 (غرينتش)
طباعة الصفحة إرسال المقال
الإسلام والدولة الحديثة

خدمة كمبردج بوك ريفيو
يقول عبد الوهاب الأفندي في هذا الكتاب الجريء إن مفهوم "الدولة الإسلامية" كما هو في الخطاب الإسلامي المعاصر ليس له معنى ويجب التخلي عنه. ويرصد في سياق نقده لهذا المفهوم سببين لمحنة الإسلاميين المعاصرين وفشلهم في تحقيق المثال الذي نشدوه في إقامة "الدولة الإسلامية" (التي يدعو الأفندي إلى تسميتها بدولة المسلمين).

غلاف الكتاب

- اسم الكتاب: الإسلام والدولة الحديثة
- المؤلف: عبد الوهاب الأفندي

- عدد الصفحات: 210
- الطبعة: الأولى 2001
- الناشر: دار الحكمة - لندن

وهذان السببان هما: روح المساومة والتلفيق في التعامل مع الاستبداد والمتوارثة من القرون الماضية والتي ازدهرت في الفكر الإسلامي الحديث. فمثلاً, وبنظرة موسعة للحركات الإسلامية المعاصرة "نجد الإسلاميين ينقسمون إلى فئات متشاكسة تؤيد كل منها نظاماً دكتاتورياً يخالف الآخر. فهناك إسلاميون يؤيدون الاستبداد الإيراني, وآخرون يفضلون الاستبداد السعودي أو السوداني بل وحتى العراقي! ويغيب عن الساحة تماماً أولئك الذي يصرحون بإدانه الاستبداد أنى كان مصدره" (ص 173).

أما السبب الثاني برأي الأفندي فهو أن الإسلاميين أعطوا الأولوية "لقتال الأعداء الأجانب وضحوا في سبيل ذلك بالإصلاحات الداخلية الضرورية", وهذا الأمر أدى إلى تحمل الفساد الداخلي وسوء الإدارة وغض النظر عن المظالم التي يتعرض لها الشعب, بدعوى مواجهة الخارج. وبذلك فقد ترك العدو الباطن يفعل فعله من دون رقيب ولا مواجهة. ويرى الأفندي أن العدو الباطن "هو الخطيئة الأصلية التي تولدت عنها كل الشرور الأخرى, (وقد) ترك في أمان في انتظار ذلك النصر - السراب على الأعداء الخارجيين الذين ظلوا يتزايدون يوماً بعد يوم". ويعتبر الأفندي أن أبلغ النماذج على هذا الوضع هي الثورات الإسلامية في إيران والسودان "التي أوشكت أن تجهض بسبب إهمال التحديات الداخلية والانشغال بمقارعة الأعداء الخارجيين الحقيقين والمتوهمين" (ص 173).


مكونات النظرية التقليدية الإسلامية هي الجذر الذي تعود إليه كل إشكالات وتناقضات ليس فقط الفكر الإسلامي الحديث, بل أيضاً تناقضات الكثير من سير الدول والخلافات الإسلامية عبر التاريخ، حيث الممارسة كانت في واد والنص النظري في واد آخر

ويؤصل الأفندي لإشكاليات الفكر الإسلامي المعاصر فيما يخص موضوع الدولة بالعودة إلى أسس النظرية الإسلامية التقليدية بشأن فكرة السلطة والحاكم وضرورة الانقياد له خشية الفتنة, وكذلك ما نصت عليه تلك النظرية من أن الحاكم يجب أن يكون أفضل الناس علماً ودراية وتقوى. فهنا يرى الأفندي خللاً كبيراً أسسه علماء المسلمين من أكثر من زاوية. فمن ناحية أولى فإن تركيزهم على ضرورة أن يكون الخليفة أفضل أفراد الأمة وأعلمهم ويخلف موقع الرسول (ص) في موقعه في قيادة الأمة وهدايتها يؤدي إلى نفي إمكانية محاسبته من قبل الأمة، خاصة وأن أفرادها سيكونون أقل علماً وتقوى منه (ص 69). ومن ناحية ثانية فثمة معضلة كبيرة في النصيحة التي شدد عليها علماء الأمة وهي ضرورة أن يطيع المسلمون الحاكم ما لم تؤد طاعته إلى معصية.
 
ويلاحظ الأفندي أن مفهوم المعصية هنا ظل غامضاً وضيقاً بحيث لم يعتبر اغتصاب السلطة والتصرف غير المشروع في أموال الأمة من الكبائر والمعاصي التي تستوجب العصيان والامتناع عن الطاعة, بل والثورة. ويصف الأفندي هذا الموقف قائلاً بأنه ليس فقط موقفاً علمانياً بل "إنه عبّر عن أحط درجات العلمانية" (ص63).
 
ومن هنا فإن مكونات النظرية التقليدية الإسلامية هي في الواقع الجذر الذي تعود إليه كل إشكالات وتناقضات ليس فقط الفكر الإسلامي الحديث, بل أيضاً تناقضات الكثير من سير الدول والخلافات الإسلامية عبر التاريخ حيث الممارسة كانت في واد والنص النظري كان في واد آخر. فجوهر النطرية انتهى إلى حقيقة أن "الغصب" هو مناط الشرعية الفعلية للسلطة, وبرر الفقهاء طاعة من يستولي على السلطة ويتحكم في الأمور بأن الثورة عليه تجلب فتناً أكثر من السكوت عنه. ووصل الأمر بكبار الفقهاء من أمثال الغزالي والماوردي إلى التنظير ليس فقط بوجوب تحمل الحاكم "الغاصب للحكم" فقط بل وبضرورة الاعتراف بشرعيته. ومن الأمثلة التي يسوقها الأفندي على هذا التباعد بين النص والتطبيق ما قاله عبد الملك بن مروان حين خطب أول خطبة له في الكعبة بعد استيلاء عامله الحجاج على مكة ومقتل عبد الله بن الزبير حين توجه إلى مستمعيه بالوعيد قائلاً "إنكم تكلفوننا أعمال الأوائل ولا تسيرون سيرتهم, والله لا أسمع رجلاً يقول لي اتق الله إلا ضربت عنقه" (ص 70).

ويتابع الأفندي حقبة فقدان التوازن التي رافقت سقوط الخلافة الإسلامية وإشكالاتها الفكرية التي أثرت على نظرة المفكرين الإسلاميين تجاه مفهوم السلطة والخلافة, وصدور كتاب علي عبد الرازق حول "الإسلام وأصول الحكم" الذي أثار زوبعة فكرية ما زالت لم تهدأ حتى الآن. فعبد الرازق نفى أن يكون في الإسلام سلطة سياسية, وأصر على أن سلطة الرسول (ص) روحية, وأن نظام الخلافة التقليدي ليس واجباً في الشرع وليس له إسناد نصي أو دليل شرعي، وإنما ترك الأمر للمسلمين لتحديد الشكل والآلية التي يحكمون بها أنفسهم، وأن الشريعة الإسلامية "لا تحتوي على أية موجهات سياسية, وأنها تركت المسلمين أحراراً ليحددوا ما يرونه مناسباً لهم من أحكام وقيم في أمورهم الدنيوية عموماً والسياسية خصوصاً" (ص 89). ويعتبر الأفندي أن ردة الفعل العنيفة على عبد الرازق حرمت الفكر الإسلامي من تفجير نقاش ثري ومفيد يعيد النظر في موضوع الدولة الإسلامية برمتها. منذ ذلك التاريخ والفكر الإسلامي ظل حبيساً للنظرية التقليدية ولم يواجهها (كما هي الحال في الفكر الإخواني بدءاً بحسن البنا إلى سيد قطب وحتى الآن مع استثناءات قليلة كطروحات فتحي عثمان وراشد الغنوشي). والأمر المهم هو انتقال تلك الأفكار الحبيسة إلى التطبيق في تجارب السودان وإيران وأفغانستان.

ويقدم الأفندي نقداً قاسياً ولا مجاملة فيه للتجارب الإسلامية المعاصرة, ففي سياق تقييمه لسلوك القيادات البارزة في الثورة الإيرانية يرى أن ذلك السلوك لم يبتعد عن أي نموذج يمكن أن يحتذى, بل كان تصارعياً وتقاتلياً لا يختلف عن صراعات الفئات غير الإسلامية. فالقياديون الإيرانيون "لم يتقاتلوا فحسب حول السلطة والجاه كأي بشر خطائين, ولم يتآمروا باستمرار ضد بعضهم البعض فقط، بل إن الصراع من أجل المكاسب المادية ميز أيضاً تصرفات كثير منهم ولم يختلفوا في هذه التصرفات عن الكفار والمارقين, بل كانوا في أحيان كثيرة أسوأ. وفوق هذا فإن حكام إيران دأبوا على ارتكاب الأخطاء والفظائع وانتهاكات حقوق الإنسان وما إلى ذلك من أخطاء في الحرب والسلم, مما جعلهم يقصرون كثيراً حتى عن النماذج الإسلامية التقليدية التي يدينها الفكر الشيعي بقوة.

وباختصار يمكن أن نقول إن الثورة الإسلامية وممارساتها خلقت من الأسئلة والمشاكل المتعلقة بالفكر والممارسة الإسلامية أكثر مما حسمت. ولقد حسمت الثورة وممارساتها من جهة أخرى أي شك يتعلق بالخلل الكبير في النظريات الإسلامية التقليدية حول الدولة والحكم وعدم كفايتها لحاجات المجتمع المسلم. ولعل أهم ما كشفت عنه الثورة الإسلامية في إيران هو عدم كفاية الضوابط المؤسسية التي حددتها تلك النظرية لمنع الاستبداد" (ص 110). وذات النقد يعمله الأفندي بحق تجربة الإسلاميين في السودان، إذ يقول إن تلك التجربة "كشفت الخلل الكبير في المفاهيم التقليدية الإسلامية في المجال السياسي, وأكدت تأكيداً حاسماً ضرورة التفكير في تشديد الضوابط التي تحكم الممارسة السياسية وتقوية دور المؤسسات على حساب الأشخاص" (ص 111).


الدول التي اتبعت أسلوب القهر لحجر حرية الناس من حرية ارتكاب الإثم قد جعلت الدولة بأكملها رتعاً للإثم مرتين, مرة حين انتشر الفساد بين العباد سراً, ومرة أخرى حين ارتكبت الآثام الكبرى من ظلم وموالاة لأعداء الأمة ولعب بمصيرها تحت سمع الملأ وبصرهم

في تينك التجربتين -كما في غيرهما- يلاحظ الأفندي وينتقد التعلق بفكرة الشخصيات الكاريزمية وقدرتها على التغيير الجذري. وهو يرى أن "المفكرين الإسلاميين المعاصرين, بالرغم من تظاهرهم بغير ذلك, يمتلئون بالحنين لذلك الشخص "المستبد العادل" أو "المهدي" الذي يتجسد فيه التقوى والعدل والذي يستلهم النموذج النبوي فيملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جوراً, مستعيناً في ذلك بالتأييد السماوي المباشر" (ص 114).
 
ثم ينتقد الأفندي مصادقة الإسلاميين على حق الدولة "القانوني" في ممارسة الفرض والإجبار على المجتمع, وضعف الحساسية تجاه "حق" الأفراد والمجتمع في التصرف بحرية. ويقول "نجد الجماعات الإسلامية في الدول العربية -وهي محرومة من أدنى الحقوق والحريات- تخاصم الحكومات لا في هذا الخصوص, ولكن لأن تلك الحكومات لا تجتهد في قسر الآخرين وحرمانهم وقمعهم. وهل نحتاج هنا للتذكير بقصة الدكتور نصر أبو زيد في مصر وجماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية والجماعات الإسلامية هنا وهناك؟ ويكفي أن يقرأ المرء صفحات الصحف الإسلامية الصادرة في العالم العربي لنجدها أقل اهتماماً بالدفاع عن حريات الإسلاميين وغيرهم منها بتتبع القضايا الانصرافية, مثل هذا الحفل الموسيقي هنا وتلك الفتاة غير المحتشمة هناك. كل هذا يعطي الانطباع بأن هدف هذه الحركات الإسلامية هو حرمان المواطن من حرية ارتكاب الإثم, حتى وإن لم تكن له حرية التطلع إلى الارتقاء في درجات الفضيلة" (ص 114).
 
ويرى الأفندي أن الدول التي اتبعت أسلوب القهر لحجر حرية الناس من حرية ارتكاب الإثم قد "جعلت الدولة بأكملها رتعاً للإثم مرتين, مرة حين انتشر الفساد بين العباد سراً (بل وجهراً أحياناً بين كبرائهم), ومرة أخرى حين ارتكبت الآثام الكبرى من ظلم وموالاة لأعداء الأمة ولعب بمصيرها تحت سمع الملأ وبصرهم" (ص 115).

وينتهي الأفندي إلى خلاصته التي يشدد فيها على أن "مفهوم الدولة الإسلامية" الذي عمر به الخطاب الإسلامي الحديث لا يحتاج للمراجعة الشاملة فقط, بل ينبغي نبذه تماماً من مفردات الخطاب السياسي حتى تعود العافية والعقلانية إلى هذا الخطاب. والتعبير البديل الأفضل قد يكون دولة المسلمين, أو الكيان السياسي الإسلامي, أو أي تعبير آخر يعكس حقيقة أن الدولة التي ينبغي للمسلمين أن يسعوا لإقامتها ليست نموذجاً جاهزاً يتنزل من أعلى، وإنما هي ما ينتج عن الإرادة الحرة للأمة وبالتراضي من أفرادها وجماعاتها" (ص 183).

المصدر: الجزيرة
احفظ وشارك طباعة الصفحة إرسال المقال
التسيس الإسلامي في فلسطين
الأمة والدين في الشرق الأوسط
سقوط طائرة بصعدة وسط تصاعد القتال
المجلس الوطني يبحث قرار عباس
الشباب والإسلامي يحققان باشتباكاتهما
مقتل 13 بينهم قائد قبلي ببيشاور

تحليلات|كتب|وجهات نظر|أحداث العام|تغطيات 2009|ملفات خاصة 2009

جميع حقوق النشر محفوظة2000- 2009م(انظر اتفاقية استخدام الموقع)