وقد دفعت هذه القلاقل الخلافة الفاطمية إلى نقل مركزها إلى المشرق وتم ذلك بعد الاستيلاء على مصر وبناء مدينة القاهرة (969). وكان لتحول عاصمة الفاطميين إلى القاهرة آثار كبيرة، فمن جهة استعاد الشمال الأفريقي استقلاليته تحت إمرة بني زيري الذين كانوا يدينون بولاء اسمي لا غير
للفاطميين. ومن جهة أخرى فتح رحيلهم الباب لعودة المالكية
إلى ربوع المنطقة.
ومن مظاهر راديكاليتهم المذهبية الأخرى رفضهم التصوف جملة وتفصيلا كما يدل على ذلك منعهم تداول أعمال أبي حامد الغزالي في المناطق الخاضعة لهم.
أما الدولة الموحدية (1147–1269) التي قامت على أنقاض دولة المرابطين، فكان مذهبها قطيعة مع المذهب المالكي إذ كان مزيجا من تأثيرات عديدة، فكان فيه من الأشعرية إيمانه بوجوب تعريف عقلاني للألوهية، ومن الاعتزال مركزية فكرة الوحدانية التي اشتق منها اسمه، كما كان فيه من ظاهرية ابن حزم إيمانه بوجوب الأخذ بظاهر القرآن واطراح كل تفسير آخر له.
والملاحظ أن هذا لم يمنع المؤسس الروحي لدولة الموحدين من اتباع طرائق الدعوة الشيعية، كما لم يمنعه من استغلال فكرة الإمام المرشد الشيعية لنشر مذهبه إذ اتخذ هو ذاته لقب "المهدي".
وقد بدأت الإيديولوجية الدينية التومرتية في التصدع بعد تحول الدولة الموحدية إلى مملكة وراثية إذ تأقلمت مع متطلبات السلطة السياسية وتوازناتها. ويعتبر المؤرخون هذا التحول أحد أسباب الثورات الكثيرة (1147–1213) التي نشبت في المناطق التي كانت مهد دعوة ابن تومرت وحافظ فيها فكره على صبغته الأولى.
كما واجه الأمراء الموحدون بالإضافة إلى هذه الثورات قلاقل أخرى أثيرت كلها تحت راية المالكية وأشهرها تلك التي أحدثها الأمير ابن غانية المنحدر من أحد ولاة جزر البليار في عهد المرابطين. وقد تمكن ابن غانية بيسر كبير من السيطرة على المغرب الأوسط (الجزائر الحالية) بمعونة القبائل العربية الهلالية الوافدة من مصر في عهد الفاطميين
وأحيا في هذه المنطقة ذكر المالكية الذي كان قد أشرف على الزوال
(12).
" الإسلام الأمازيغي: مزيج من المالكية والصوفية والأعراف المتوارثة " |
كان لتضعضع سلطة الموحدين في ربوع المغرب الكبير آثار على منظومة التعليم الديني، إذ أفلت من رقابة الدولة ما سمح بتطور المالكية والصوفية. وقد شجع الكثير من ولاة الموحدين الطرق الصوفية محاولين استغلال تعلق الأهالي الأمازيغ بها لإضفاء الشرعية على نفوذهم الذي تزايد بعد تفكك أوصال الإمبراطورية الموحدية.
ولم تكن الصوفية المدرسة في الزوايا
(13) مذهبا بديلا عن المالكية, بل كانت تعتبر نفسها مكملا روحيا لها. وكما يقول بول بالتا "المالكية استوعبت بشكل واقعي التقاليد الشعبية المتجذرة في الحياة اليومية للأمازيغ خاصة تقديس الأولياء الصالحين، وهذا ما يفسر أيضا تبنيها من قبل جزء من سكان أفريقيا السوداء"
(14).
وهكذا فتح تلاشي السلطة الموحدية ومذهبها صفحة التعايش بين المذهب المالكي والصوفية والتقاليد الشعبية
(15) في مجمل المجموعات البربرية غير الإباضية وبدأت الزوايا (الطرق) في الازدهار.
ولم يسع الأتراك في الجزائر وتونس إلى حمل الأهالي على اتباع مذهبهم الحنفي، خاصة أن سلطتهم كانت عسكرية بحتة لا يعني عندها الولاء للباب العالي شيئا غير دفع الضريبة له. كما أن الاحتلال الفرنسي لبلاد المغرب الكبير لم يقض على التوازن بين الصوفية والمالكية والتقاليد الشعبية.
ويمكن القول إن مقاومة الشعوب المغاربية للاحتلال كثيرا ما تمت تحت راية الزوايا الصوفية، ويصدق ذلك على المجموعات الناطقة بالعربية (ثورة الأمير عبد القادر التي ساندتها الزاوية القادرية) والمجموعات الناطقة بالأمازيغية (ثورة 1870 في بلاد القبائل التي قادتها الزاوية الرحمانية).
ومع خضوع عدد من الزوايا في الجزائر للسلطة الاستعمارية فلم يمنع ذلك بعضها من أن تتحول إلى مراكز استعملتها جبهة
التحرير الوطني لنشر نفوذها بين الأهالي خلال الحرب التحريرية (1954-1962).
" خطر الحركة التنصيرية بمنطقة القبائل مبالغ فيه كثيرا إذ لم يسجل حتى الآن أي اعتناق جماعي للمسيحية " |
يعتبر المذهب المالكي اليوم مذهب مجموع الأمازيغ إذا استثنينا إباضيي منطقة وادي مزاب بالجزائر وجربة بتونس ونفوسة بليبيا. وكثيرا ما يتزاوج هذا الانتماء إلى المالكية بالانتماء إلى الزواية(16) وإن كان سلطان الطرق الصوفية في تراجع محسوس عما كان عليه قبل عقود أو قرون.
ويفسر التآلف القوي بين المالكية والصوفية والتقاليد الشعبية كون الأمازيغ لم يعتبروا الإسلام قط دينا غريبا عليهم، كما يفسر الفشل الذي منيت به الحملات التنصيرية التي قام بها في أفريقيا الشمالية "الآباء البيض" بقيادة الكاردينال لافيغري (أسقف الجزائر عام 1867) في محاولة لترسيخ السلطة الاستعمارية الفرنسية (17).
وقد استهدفت الحملات التنصيرية الجزائر أكثر من بقية بلاد المغرب الكبير، وتفسير ذلك أن الجزائر كانت تحت نير استعمار استيطاني مدمر لا تحت نظام حماية كتونس والمغرب الأقصى.
وتجدر الإشارة إلى أن حركة التنصير لم تستهدف المناطق الناطقة بالأمازيغية دون غيرها وإن كانت استهدفت بلاد القبائل بشكل خاص في إطار مخطط استعماري يهدف إلى إضافة اختلاف ديني إلى الاختلاف اللغوي الذي يميز هذه المنطقة عن المناطق الناطقة بالعربية.
لكننا إذا استثنينا اعتناق بعض القرى المذهب الكاثوليكي (خاصة في إيغيل علي بالقبائل الصغرى)، فقد منيت كل محاولات تنصير الأمازيغ القبائليين بالفشل الذريع.
وليس من المبالغة القول إن منطقة القبائل حاليا هدف لحركة تنصيرية تنفي الكنيستان البروتستانتية والكاثوليكية الجزائريتان أن يكون لهما ضلع فيها. وتقود عمليات التنصير هذه الكنائس الإنجيلية
(18) التي استقر العديد من بعثاتها في هذه المنطقة (منتدى الكهنة، مجمعات الرب، الكنيسة الإنجيلية الحرة, إلخ).
ومع ذلك يبدو أن خطر هذه الحركة التنصيرية مبالغ فيه كثيرا إذ لم يسجل حتى الآن أي اعتناق جماعي للمسيحية. من هذا المنظور يبدو الزعم بأن 30% من سكان ولاية تيزي وزو يرتادون الكنائس
(19) أقرب إلى المزاح منه إلى الجد، ولا أدل على ذلك من أن الزوايا ما زالت تحتفظ بدور
قوي في منطقة القبائل مستفيدة في ذلك من دعم السلطات الرسمية بما فيها وزارة الشؤون الدينية.
_______________
كاتب جزائري