خدمة كمبردج بوك ريفيو
يحمل فرد هاليدي في هذا الكتاب على مفهوم النسبية الثقافية الذي ينفي وجود قيم عالمية, خاصة في مجالات حقوق الإنسان والحريات العامة, معتبرا أن هذا المفهوم ستار تختفي وراءه أنماط الاستبداد في أي منطقة في العالم بما في ذلك الشرق الأوسط. وهو لا يدين فقط السياسيين وأنصار الحكومات القائمة الذين يدافعون عن هذا المفهوم كي يبرروا للأنظمة القائمة قبضتها التي لا تتزحزح أمام تيار الدعوة الديمقراطية أو الانفتاح السياسي, بل ينتقد أيضا الأكاديميين الغربيين الذين ينظرون للنسبية الثقافية معتبرين أنه لا يمكن الوصول إلى قواسم عالمية مشتركة بين الشعوب والثقافات المختلفة حول الأمور المتعلقة بجوهر الحياة الإنسانية والنظرة إلى الفرد والجماعة والنمط الاجتماعي والسياسي المعتمد من قبل هذه المجموعة البشرية أو تلك.
ويفكك في هذا الإطار مقولات أحد كبار منظري النسبية الثقافية بين المجتمعات المعاصرة, جون راولز, مؤلف الأطروحة الشهيرة "نظرية في العدالة".
|
- اسم الكتاب: الأمة والدين في الشرق الأوسط - المؤلف: فرد هاليدي (ترجمة عبد الإله النعيمي) - عدد الصفحات: 354 - الطبعة: الأولى 2000 - الناشر: دار الساقي- لندن | |
ويرى هاليدي أن مقولات الاستثناء "الإسلامي" أو "العربي" أو "اليهودي" في الشرق الأوسط ليست سوى صدى لمفاهيم النسبية الثقافية التي يرددها كثيرون في الغرب أو سواه, ويعني ذلك الاستثناء أن الثقافة المعنية لا يجري عليها ما يجري على غيرها من قوانين وتغيرات واستجابات, كما أنها محصنة ضد النقد.
والمعضلة الأساسية في التفكير الاستثنائي ومقولات "الخصوصية الثقافية" أنها تمثل العتاد النظري الذي يستخدمه السياسيون الغربيون تحديدا عندما يواجهون بالتساؤل حول تجاهلهم المتعمد لانتهاكات حقوق الإنسان في المنطقة العربية مثلا, وسكوتهم عن المظالم التي ترتكب في البلدان الحليفة لهم برغم دعاوى الحرية والديمقراطية الغربية التي يتبنونها. وبذلك وكما يقول هاليدي يتحول "التسامح الليبرالي في الظاهر خلسة, إلى تخل عن المنطق السليم, ناهيكم عن الروح السوسيولوجية النقدية الأولية.... فحين يكون المجتمع غير ليبرالي فإننا لا نستطيع أن نعرف إن كان أولئك الذي يتكلمون باسمه يتكلمون حقا باسمه" (28). فهنا يتم استخدام ذريعة عدم التدخل في "الخصوصية العربية والإسلامية" المنعكسة في طريقة ونمط الحكم والاجتماع التي "يبدو" أن المجتمعات العربية راضية بها.
والواقع أن مقولات الاستثناء الثقافي تعيد إلى الأذهان مقولات مدرسة "الجوهرانية" الاستشراقية التي كانت تقول إن الشرق الأوسط, بثقافته العربية والإسلامية, يحتوي على جوهر ثابت لا يمكن أن يتغير, وبالتالي فإن المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية قليلة التأثير فيه، ولا تفيد في فهم التحول الذي قد يحدث في المنطقة, أو الجمود الذي قد يستمر. وعليه يظل منهج وأداة التحليل الأنجع هو فهم مكونات "الجوهر الثابت" الذي يميز العرب والمسلمين عن غيرهم.
” مقولات الاستثناء الثقافي تعيد إلى الأذهان مقولات مدرسة "الجوهرانية" الاستشراقية التي كانت تقول إن الشرق الأوسط, بثقافته العربية والإسلامية, يحتوي على جوهر ثابت لا يمكن أن يتغير, وبالتالي فإن المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية قليلة التأثير فيه ولا تفيد في فهم التحول الذي قد يحدث في المنطقة ” |
ولا يرى هاليدي أن الدعوة إلى تبني قيم كونية وإنسانية مشتركة في أوساط أبناء الشرق الأوسط أو من قبل المهتمين بالمنطقة من الغربيين يمكن أن تكسب الجولة بسهولة. فلا زالت مفاهيم الاستثناء القومي والأصولي والعلماني تسيطر على ساحة الفكر والإدراك, عند هؤلاء وإن كان يستثني ثلاثة كتاب يعتبرهم مفكرين أصحاب رؤى نافذة ولا تقع في نطاق التيار التقليدي العام وأسهمت بإضافات متميزة. وهؤلاء هم مكسيم رودنسون المستشرق الفرنسي المشهور, بسبب ما قدمه من مثال يحتذى به في نقد الأساطير حول الشرق, وصادق جلال العظم الكاتب السوري بسبب كتاباته "بشجاعة ووضوح ضد مد الظلامية القومية والأصولية, ومحمد خاتمي الرئيس الإيراني بسبب كتاباته "لصالح الحوار لا الصدام بين الحضارات... وعمله الفلسفي حول الحرية" (ص 10).
وفي مطالعته للفكرة القومية والشرق الأوسط يرى هاليدي أن الأيديولوجيا القومية ترى "أن العالم ينقسم إلى شعوب, وأن لهذه الشعوب خصائص مميزة وتاريخا متميزا, وعادة لغة متميزة, وأن لها الحق في رقعة أرض محددة وأن على من يولدون في الأمة التزاما باحترامها" (32). ويناقش نظرتين أساسيتين تجاه القومية بشكل عام انعكستا على التعبيرات القومية في الشرق الأوسط:
-النظرة الأولى تقول إن القومية معطى جوهري دائم ولن يتم تجاوزه في طبيعة تقسيم العالم والشعوب.
-والثانية ترى في القومية ظاهرة انتقالية سوف تختفي تحت وطأة الضغط الكوزموبوليتاني والأفكار العالمية المتجاوزة لقيود التحديدات القومية.
وإذا كانت النظرة الأولى هي التي سيطرت على منظري القومية في الشرق الأوسط, عربا وإيرانيين وأتراكا وأكرادا ويهودا, فإن النظرة الثانية لم تن تجد أنصارا لها في كل تلك القوميات وإن كانوا لم يشكلوا تيارات ضاغطة ومؤثرة. وكما في بقية مناطق العالم فقد تأثرت هاتان النظرتان بالأنظمة الاقتصادية السائدة التابعة لهذا التجمع القومي أو ذاك ودرجة انفتاح هذه الأنظمة على غيرها في الفضاء العالمي الخارجي أو اندماجها مع غيرها.
وينقل هاليدي عن أنتوني سميث أحد المتخصصين العالميين في فكرة القومية في الوقت الحاضر, تنظيراته حول هاتين النظريتين من زاوية تحليل سوسيولوجي بهدف تفسير الظاهرة القومية. فهو يطلق على النظرية الأولى تعبير "الدائموية" حيث يعتبر مؤيدو هذه النظرية التشكيلات القومية ذات ديمومة شبه أبدية، وتعود جذورها إلى حقب سحيقة في الماضي. أما النظرية الثانية في القومية فهي "حداثوية" تنسب قيام القوميات المعاصرة إلى نشوء مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية، والضرورة التي نشأت بإدماج الفلاحين وقوى العمل غير المدنية في المجمتع الجديد وتوسيعه, وبالتالي الاحتياج إلى مفهوم اجتماع "قومي" أوسع ليشمل القادمين الجدد.
ويشير هاليدي إلى سيطرة نظرة الإقصاء القومي في الشرق الأوسط حيث تحتقر كل "أمة" الأمم والجماعات الأخرى باعتبارها أقل منها مرتبة أو لا تحظى بنفس العمق التاريخي المكون لتلك الأمة, كما هو واقع النظرة الإسرائيلية إلى الفلسطينيين, أو العربية إلى إسرائيل, أو التركية إلى الأكراد, أو الإيرانية إلى العرب وبالعكس. بل إنها توجد أيضا بين العرب أنفسهم, إذ يقتبس عن الدبلوماسي المصري السابق تحسين بشير وصفه التهكمي للبلدان العربية الأخرى "بأنها قبائل لها أعلام". كما ينقل عن دبلوماسي يمني كان يحاضر في لندن تمجيده لتاريخ حضارة اليمن الضاربة في التاريخ بخلاف جيران اليمن (ص 45). لكن في الوقت نفسه فإنه لا يرى ما يراه البعض موتا للقومية العربية بسبب فشلها في تحقيق الوحدة العربية، أو بسبب تعارض فكرتها مع الهويات القطرية على مستوى كل بلد عربي على حدة.
وهو يلاحظ أن قضية تعدد الهويات التي تستخدم ضد العرب, والأتراك أيضا, موجودة في معظم مناطق العالم وليست خاصة بالمنطقة. ويضرب مثلا بالفرد في بريطانيا الذي له انتماءان قومي وقطري, تماما مثل الفرد العربي, انتماء لبريطانيا وآخر لإنكلترا أو ويلز أو أسكتلندا. ويتوسع في تحليل بعد الهويات القومية والتاريخية المركبة في تشكيل البلدان العربية المعاصرة عندما يناقش حالة اليمن بشكل خاص (في الفصل الثاني) وتشكلها كنتاج لتزاوج التاريخ والجوار والجغرافيا مع العوامل الخارجية والتطورات العالمية في القرن العشرين.
” يرى هاليدي أن الدين له دور فاعل في السياسة والأيديولوجيا القومية في الشرق الأوسط حتى في أعتى الدول العلمانية مثل تركيا, وكذلك في الأيديولوجيا الصهيونية في مرحلة ما بعد الدولة، ويرى أن البعد الديني في الحركات القومية المعاصرة في العالم, وليس فقط في الشرق الأوسط, حاضر بقوة كما في مثال الحركات القومية الأوروبية والسلافية ” |
أما بالنسبة للدين فإن هاليدي يرى له دورا فاعلا في السياسة والأيديولوجيا القومية في الشرق الأوسط حتى في أعتى الدول العلمانية مثل تركيا, وكذلك في الأيديولوجيا الصهيونية في مرحلة ما بعد الدولة. ويرى أن البعد الديني في الحركات القومية المعاصرة في العالم, وليس فقط في الشرق الأوسط, حاضر بقوة كما في مثال الحركات القومية الأوروبية والسلافية. ويضاف إلى استدعاء العنصر الثقافي في الدين بغرض إعادة الإنتاج القومي ظاهرة التوظيف السياسي للدين وهو ممارسة مشتهرة في الشرق الأوسط.
وبكل الأحوال فإن ما يميز صعود الإسلام السياسي في المنطقة هو تبني مزيج من خطاب قومي-إسلامي مضامينه الدفاع عن المظلومية التي حاقت بالعرب والمسلمين بسبب الإمبريالية والغرب وإسرائيل. بل إن التعبيرات الإسلامية المعاصرة, من ناحية شرعية قومية وسياسية, تأخذ أشكالا متناقضة في كثير من الأحيان, ففي حين أن إسلاميي إيران جمهوريون معادون للملكية والشاهنشاهية، فإن إسلاميي تركيا معادون للجمهورية الأتاتوركية ويحنون للماضي الأمبراطوري العثماني (ص 109).
ولا يتفق هاليدي مع معظم التحليلات السائدة سواء في الغرب أو الشرق لظاهرة تنامي وصعود الحركات الإسلامية. وهو يرصد سيطرة ثلاثة تحليلات رئيسية, يرفضها جميعا, هي:
- القول من قبل الإسلاميين بأن الإسلام هو الأيديولوجية الوحيدة القادرة على منافسة وتحدي الغرب بعد الاتحاد السوفيتي.
- والثانية هي نظرية بعض الغربيين القائلة بأن الإسلام هو العدو الجديد بعد الشيوعية.
- والثالثة هي موضع الحركات الإسلامية وفكرها في سياق ما بعد الحداثة حيث ضمور مناهج التحليل الحداثية والعقلانية المستمدة من الاستنارة الأوروبية (ص 133).
مقابل هذه التحليلات يرى هاليدي أن التيارات الإسلامية هي نتاج بيئاتها المختلفة واستجابة لعوامل محلية، وتهدف إلى تحدي السياسة المحلية وليس الوضع الدولي, وأنها تتفارق بعضها عن بعض تبعا لظروف بيئاتها المتعددة، ولا تشكل بالتالي التهديد المزعوم للغرب. وهو يتناول مثالي إيران وتونس بالتفصيل حيث يطبق تحليلاته على نموذج "الدولة الإسلامية" في الحالة الأولى ونموذج "الحركة الإسلامية" في الثانية.
يبقى من المهم القول إنه إضافة إلى هذه المناقشات فإن هاليدي يضمن كتابه فصلا أخيرا ممتعا عن الجالية العربية في مدينة مانشستر البريطانية في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين (ص197-228). فعلى إثر تطور تجارة المنسوجات وتصديرها للدولة العثمانية في الثلث الأول من القرن التاسع عشر تضاعف اهتمام شركات النسيج في منطقة لانكشاير في إنكلترا بالمشرق وشمال أفريقيا, وتزايد التعامل مع التجار والمستوردين العرب.
وبدأت إثر ذلك هجرة بعض العائلات السورية واللبنانية والمغربية الفاسية للاستقرار في مانشستر وأنشأت قنصلية لبنانية هناك. ويرجع هاليدي لعدد من المصادر التوثيقية التي أرخت لتلك الجاليات لينقل صورة مثيرة عن اندماج التجار العرب, بما فيهم من مسلمين وكاثوليك ويهود أشكناز, مع المحيط الأنكليزي والسمعة الحسنة التي حظوا بها فضلا عن التزامهم بالدين ونجاحهم في التجارة.