إبراهيم غرايبة
يحتوي هذا الكتاب على أعمال ندوة "نحو مشروع حضاري نهضوي عربي" التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية في الفترة 23 - 26 نيسان/إبريل 2001 في مدينة فاس في المغرب، وقد شارك فيها حوالي مائة مفكر وباحث من أنحاء عربية واتجاهات وأجيال مختلفة.
ويسعى الكتاب في الإجابة على سؤالين: هل للعرب مشروع نهضوي انتكس ولا يحتاج إلى أكثر من استئناف أم أن الأمر يتعلق بغياب مشروع من هذا النوع وبالحاجة إلى إنشائه؟ ويقدم الكتاب الأسس والعناصر التي يقوم عليها المشروع النهضوي وهي ستة: الوحدة العربية في مواجهة التجزئة، والديمقراطية في مواجهة الاستبداد، والتنمية المستقلة في مواجهة النمو المشوه والتبعية، والعدالة الاجتماعية في مواجهة الاستغلال، والاستقلال الوطني والقومي في مواجهة الهيمنة الأجنبية والمشروع الصهيوني، والأصالة والتجدد الحضاري في مواجهة التغريب.
|
-اسم الكتاب: نحو مشروع حضاري نهضوي عربي -المؤلف: عبد العزيز الدوري وآخرون -عدد الصفحات: 1167 -الطبعة: الأولى 2001 -الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت | |
مسار المشروع النهضوي
بدأ مشروع النهضة العربية مع محمد علي وابنه إبراهيم باشا في مصر، وحمل عناوين ثلاثة: بناء دولة ذات جيش قوي عصري وبيروقراطية حديثة، وإقامة مشروع تنموي شامل مستند إلى الصناعة والتعليم العصري، وتحقيق وحدة مصر وبلاد الشام، ثم استؤنف المشروع في أواسط القرن العشرين،وكان عنوانه: الاستقلال، والتنمية، والتحديث، والتضامن العربي، ومواجهة الصهيونية.
وقد واجه هذا المشروع حالة من الفشل والتراجع بعد هزيمة عام 1967 وكان يواجه بيئة معاكسة أقوى منه، من التخلف والتجزئة والأمية والفقر.
ويمكن القول إن الاستقلال الوطني للكيانات العربية المحتلة هو الإنجاز الأهم الذي تحقق من المشروع النهضوي الذي بدأ في أوائل القرن التاسع عشر، ولكن المطالب النهضوية الأخرى كالوحدة والديمقراطية والتنمية الشاملة والعدالة الاجتماعية وتحرير الأرض المحتلة لم تتحقق بعد.
ويمكن القول إن ثمة حالة شعبية مؤيدة بقوة للوحدة ومقاومة الاحتلال والديمقراطية تقدم مناخا ملائما لتحريك المشروع النهضوي نحو هذه الأهداف، ولكن هذا التراكم للعمل النهضوي على مدى قرنين (محمدعلي، ومحمد بن عبد الوهاب، ورفاعة الطهطاوي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي، ورشيد رضا، ومحمد بلحسن بلحجوي، وأحمد فارس الشدياق، وخير الدين التونسي، وعلال الفاسي،.. ) لا يجعل منها مشاريع قابلة للاستئناف، فهي بحاجة إلى إعادة صوغ العلاقة بين أهداف النهضة ذاتها على نحو يحقق التزامن والاتصال ويتجاوز التعاقب والانفصال.
” إن الاستقلال الوطني للكيانات العربية المحتلة هو الإنجاز الأهم الذي تحقق من المشروع النهضوي الذي بدأ في أوائل القرن التاسع عشر، ولكن المطالب النهضوية الأخرى كالوحدة والديمقراطية والتنمية الشاملة والعدالة الاجتماعية وتحرير الأرض المحتلة لم تتحقق بعد ” |
وكان من التحولات الفكرية التي تجلت في مشروع استشراف مستقبل الوطن العربي الذي أعده مركز دراسات الوحدة العربية في ممتصف الثمانينات وكان تحولا فكريا هاما تجاوز فكرة الأولويات المتعاقبة في المشروع النهضوي إلى منظومة العناصر والمبادئ التي تعمل معا في آن واحد، وتطوير الأهداف والمفاهيم النهضوية ومراجعتها مثل العل على تحقيق الوحدة الكونفيدرالية ثم الفيدرالية بدلا من الوحدة الاندماجية، والانتقال بالديمقراطية من اللعبة الانتخابية إلى المشاركة العامة والشعبية والتداول السلمي للسلطة، ودقرطة الدولة والمجتمع أيضا ونشر الثقافة الديمقراطية،وفي العدالة الاجتماعية فإن المؤسسات الأهلية يمكن أن تعمل رديفا للدولة.
المشروع النهضوي العربي؟
قدم د.عبد العزيز الدوري تحقيبا تاريخيا للمشروع النهضوي العربي ورآه يقع في حقبتين: حقبة وسيطة تحقق فيها ميلاد أمة عربية داخل إطار الإسلام وأنجزت فيه نهضتها الحضارية، ثم في حقبة حديثة بدأت في مطلع القرن التاسع عشر، واستوعبت ثلاث لحظات نهضوية هي: لحظة محمد علي باشا، ولحظة الثورة العربية الكبرى، ثم لحظة الثورة المصرية بقيادة جمال عبد الناصر.
ويصف د.أحمد صدقي الدجاني المشروع النهضوي الحضاريبأنه ثمرة تفاعل أبناء الأمة مع واقعهم، وتطلعا إلى تغييره وتحقيق أهداف رسموها لنضالهم، ثم مفهوم النهضة منحيث هي رديف للتقدم والوحدة ومشاركة الأمة في صنع الحضارة.
بيئة المشروع النهضوي
يحدد عزيز العظمة في دراستة "البيئة العالمية للمشروع الحضاري النهضوي العربي" مجموعة من الظواهر العالمية المؤثرة على المشروع مثل العولمة وما تبع ذلك من إيلاء قضايا الديمقرطية والتعددية وحقوق الإنسان مركزية مميزة في مجال العلاقات الدولية، مع ملاحظة أن التشديد الدولي والأمريكي في هذا المجال كان انتقائيا لأغراض سياسية.
وفي البئية الإقليمية للمشروع النهضوي العربي يستعرض الباحث ناصيف حتي سمات المشهد العربي الراهن وقسماته السياسية وبخاصة في الدائرتين الآسيوية - الإسلامية والأفريقية، ويسجل الباحث بالإضافة إلى الأوضاع القاتمة المعروفة في المشهد السياسي العربي علامات عافية إيجابية مثل: بداية تبلور مجتمع مدني عربي، وتنامي دور الصحافة والفضائيات العربية في بناء الرأي العام، وانطلاق عملية التعاون الاقتصادي العربي البيني في مجال تحرير التجارة، ومأسسة القمة العربية ودورية انعقادها.
ويرى العظمة مستقبل العمل النهضوي العربي في فضاء إسلامي أوسع يكون رافعة لتعاون أشمل على صعيد الجنوب وتصحيح العلاقات العربية الأفريقية والعلاقات العربية الإيرانية والعلاقات العربية التركية.
” هناك علامات عافية إيجابية مثل: بداية تبلور مجتمع مدني عربي، وتنامي دور الصحافة والفضائيات العربية في بناء الرأي العام، وانطلاق عملية التعاون الاقتصادي العربي البيني في مجال تحرير التجارة، ومأسسة القمة العربية ودورية انعقادها ” |
الواقع من منظور المشروع
يحلل أحمد يوسف في هذ االمحور خريطة عناصر ثلاثة يراها مدخلا للعمل النهضوي، وهي: الاستقلال الوطني والقومي، والديمقراطية، والوحدة، ويجد أن الاستقلال الوطني الفلسطينى بات قريبا محتملا أكثر من قبل، ويجد معوقات الديقراطية في سيادة ثقافة الاستبداد، والخلفية الاجتماعية العصبوية، ومعارضة بعض القوى السياسية الإسلامية المغالية، ومقاومة اقتصاد النفط واقتصاد الخوصصة للتحول الديمقراطي، وبعض الفيتو الدولي أيضا.
وفي مجال الوحدة فإن تجارب الوحدة أو العمل الإقليمي المشترك على مستوى الجامعة العربية أو المجالس الإقليمية لم تمنع التدهور في قدرة العرب على تحقيق هدف الوحدة العربية، ولا مواجهة المعضلات المانعة والمعوقة كالقطرية والمؤسسية والتوازن والخلاف بين الفصائل القومية والعامل الخارجي.
وأما محمد جابر الأنصاري فيرى أن المجتمع العربي تنخره علل ثلاث هي: التخلف المجتمعي، والتخلف العقلي، والتخلف الأخلاقي، ولكنه لم تفته جملة من المكتسبات تحققت على صعيد التنمية الديمقراطية وكفالة حقوق المرأة.
أهداف المشروع النهضوي
1 - الوحدة العربية
يستعيد سعدون حمادي بقدر من الإيجابية تجربة الجامعة العربية في التعاون بوصفها مسارا من مسارات الوحدة التي أنجزتها الأمة، ويرى حمادي دورا مهما للشعوب العربية في تحقيق الوحدة ولبرامج تغيير الإنسان، ويدعو إلى خطوات جزئية مرحلية لتكون قاعدة للتوسع والانطلاق الوحدوي، مع ملاحظة عدم التماثل بين الأقطار العربية.
2 - الديمقراطية
يؤصل فهمي هويدي للفكرة الديمقراطية في الثقافة السياسية الإسلامية، ولا يرى بديلا لنظام ديمقراطي إسلامي تحكمه جملة من المبادئ مثل: الأمة مصدر السلطات، النصوص لم تحدد شكل النظام السياسي وإنما شددت على قيم العدل والشورى. وترتبط بالمسألة الديقراطية قضايا الحرية والتعددية والمساواة والولاية، ويقدم هويدي رأيا إسلاميا تقدميا.
ويقدم برهان غليون نقدا لخطاب الديمقرطية العربي وللأوضاع السياسية في الدول العربية ويقترح تصورات لإمكانية تعزيز فرص التحول الديمقرطي مستمدة من تغيير نظرة المثقفين التأملية للديمقراطية والمعزولة عن الواقع الموضوعي، ويرى أن المدخل الأفضل هو تحليل ممارسة السلطةالمستبدة ومسلكيات القوى السياسية الوافدة حديثا إلى الخطاب الديمقراطي دون نقد لعقائدها السابقة، وتحليل الديناميات الاجتماعية الموضوعية وسياقات التنافس بين القوى والمصالح وعوامل التعثر في مسار التحول الديمقراطي.
3 -التنمية المستقلة
جاء في هذا المحورثلاث أوراق لإسماعيل صبري، ويوسف صايغ، ونصر عارف، وتناولت ورقة إسماعيل صبري أربع مسائل: مفهوم التنمية المستقلة، ومراحل تكونه المختلفة، والعولمة والرأسمالية في مرحلة ما بعد الامبريالية، وتصورات مستقبلية لخيارات عربية بديلة في مضمار التنمية وضعها الباحث تحت عنوان ما العمل؟
ويميز يوسف الصايغ بين مفاهيم متباينة يجري التعامل معها، ويحلل أوضاع التنمية في حقبة العولمة، ويحدد موقع التنمية المستقلة في المشروع النهضوي، ثم قابلية التنمية للتحقق في الوطن العربي.
وفي التمييز النطري هناك أربعة مفاهيم هي: التنمية، والنمو، والتنمية المستقلة، والتنمية الذاتية أي اعتمادا على الذات، فمفهوم النمو كمي وقابل للقياس ويمكن تحقيقه دون تحولات في طبيعة القيم والخيارات، وأما التنمية فهي مفهوم معياري تؤدي إلى تحولات تطلق عملية تحرر المجتمع، وأما التنمية المستقلة فلا تعني الاكتفاء الذاتي فهذا ما تعنية التنمية الذاتية.
ويرى نصر عارف عوائق تحقيق التنمية المستقلة في تآكل مفهوم السيادة والدولة والتصادم بين أيدولوجية الدولة وثقافة المجتمع، وعلاقات التبعية التي تشد بخناق دول الجنوب ومنها الوطن العربي، والتدخل الدولي بأشكاله المختلفة.
4 - العدالة الاجتماعية
تبلور مفهوم العدالة الاجتماعية في سياق الاستقلال الوطني لاذي امتلكت فيه الأمة سيادتها وقرارها، وتقدمت دول منها على طريق تحقيق قدر من المساواة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وبخاصة في عقدي الخمسينات والستينات، ولكن فكرة العدالة أصيبت بانتكاسة في السبعينات مع تدهور النمو الرأسمالي العالمي وارتفاع معدلات البطالة، وصعود الشركات المتعددة الجنسية، وسقوط السياسات العربية في فخ الانفتاح وسحب الدولة العربية حمايتها لاقتصادها وحقوق منتجيها.
ولتحقيق المشروع النهضوي يحذر جلال أمين من أربعة محاذير: الاستسلام لإغراء الرغبة وإسقاط الممكن من الحساب، فالعدالة لا تتحقق لمحرد أننا نرغب فيها، والاعتقاد بأن القوى المسؤولة عن التدهور في توزيع الدخل يمكن أن تساعد على منعه أو التخفيف منه، والاستسلام للاعتقاد بأن معنىالعدالة الاجتماعية ثابت في كل مكان وزمان، والاستسلام للاعتقاد بأن الدولة مازالت قادرة على النهوض بدور حماية المنتجين والفقراء من الجشع الرأسمالي وسوء توزيع الثروة.
5 - الاستقلال الوطني والقومي
وقع على المشهد الأمني العربي تطورات بالغة السوء منذ حرب الخليج الثانية ومؤتمر مدريد، فقد تراجع البرنامج العربي للصراع العربي الصهيوني بالانخراط في تسوية مجحفة وبغير ميزان قوى يسند الموقع التفاوضي فيها، وانهرا مبدأ الأمن الجماعي العربي، وفقدت الدول العربية جزءا من استقلالها وسيادتها وأمنها الاقتصادي والسياسي والعسكري، وترسخت النزعة القطرية.
ويجد هيثم الكيلاني أن استراتيجية النهوض في هذا المجال تحكمها أربعة مداخل هي: الديمقراطية التي تعطي الأمة والشعوب حق المشاركة في صناعة القرار وفي الدفاع عن الكيان وحماية الحقوق وصياغة المستقبل، والتخطيط العلمي الدقيق لبرامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية والعلمية، وتعبئة الموارد والطاقات للأمن القومي العربي، وأخيرا التخطيط للصراع مع الكيان الصهيوني علىأنه صراع حضاري لا يقبل تسوية تنتقص من حقوق الأمة والشعب الفلسطيني.
ويرى عادل حسين أن الاستقلال ممكن تحقيقه بمواجهة ثلاث تحديات تواتجه الأمة العربية هي: الإسلام المستهدف، والبترول المعرض للسيطرة الأجنبية، وإسرائيل المزروعة في المنطقة لحراسة التجزئة والتخلف.
ويجد عادل حسين أن تحقيق التوازن مع العدو الصهيوني بات ممكنا وبأن إيذاءه عسكريا بات ممكنا أيضا بوسائل نظامية وجهادية، وأنه يمكن تطوير التفاوض معه على الانسحاب الكامل من الضفة والقدس وعزة والجولان.
6 - التجدد الحضاري
يعيد الجابري بناء بعض الأسئلة في الوعي العربي على النحوالذي يحررها من لاتاريخيتها ويجعلها أسئلة واقعية صحيحة تذهب إلى القول الثابت في المشروع النهضوي ماضيا وحاضرا ومستقبلا، ويحاول أن يرسم مشاهد للمشاريع الكبرى التي تزامنت مع المشروع العربي هي الحداثة الأوروبية والحركة الصهيونية والاشتراكية العالمية ثم ما بعد الحداثة وما بعد الاشتراكية وما بعد الصهيونية.
ويلاحظ طارق البشري أن الحضارة تتلازم في العادة مع التطور المادي، ولكن التجدد الحضاري لا يكون وليد ذلك التطور، وإنما هو خلاصة تمثل ذلك التطور واستجابة أطر الحضارة المرجعية له بما يوافقها، ويشدد على وجوب مراعاة مطالب ثلاثة عند كل محاولة لاستيعاب النماذج التنظيمية في حضارات أخرى، وهي: أن يكون النموذج المستدمج مما ينفعنا ولا يؤدي وظائف معادية لنسيجنا، وأن يقع الفصل بين هذا النموذج المستدخل وبين السياق الثقافي - الاجتماعي الجديد.
فالتجديد يكون في الفروع لا في الأصول لأن الجديد الوافد قد يحمل في جوفه وظائف مجافية لطبيعة أساسات السياق الحضاري ومرجعيته، ولكن ثمة حاجة بالتأكيد للتجدد في ميادين تعاني تجربتنا الحضارية فيها من فقر ونقص مثل العلوم والإدارة التنظيم السياسي للاجتماع الوطني.