خدمة كيمبردج بوك ريفيو:
"أكبر أزمة سياسية في حقبة الخمسينات من القرن العشرين", هذا ما يطلقه العديد من المؤرخين على أزمة وحرب السويس (1956) الناشبة عقب تأميم قناة السويس الذي قام به الرئيس المصري جمال عبد الناصر في 26 يونيو/حزيران من ذلك العام.
وقد ظل الكثير من جوانب هذه الأزمة والحرب التي تلتها غامضا، وتكتنفه السرية حتى عام 1987 عندما أفرجت الحكومة البريطانية عن مجموعة من الوثائق الخاصة بتلك الحرب. ومن ذلك التاريخ والمؤرخون يشتغلون على رسم صورة دقيقة للذي حدث، ومواقف الأطراف المختلفة. وفي سياق هذا التأريخ يأتي هذا الكتاب الذي تتابع فصوله كشف الكثير من الأسرار التفصيلية الخاصة بالأشهر التي سبقت الحرب, أي على امتداد سنة 1956.
|
اسم الكتاب: الوايتهول وأزمة السويس
المؤلفان: سول كيلي وأنتوني غورست عدد الصفحات:250 الطبعة: الأولى - 2000م الناشر: فرانك كاس- لندن | |
وقد اعتمد محررا الكتاب منهجية أنيط من خلالها بمجموعة من كبار المؤرخين الإنجليز تأريخ الدور الذي لعبه عدد من كبار المسؤولين في الحكومة البريطانية -غير الوزراء المعروفين- بحكم مواقعهم الخاصة، إما كمساعدين لأنتوني إيدن رئيس الوزراء آنذاك, أو لوزير الخارجية، أو حتى سكرتيرين ومساعدين من الدرجة الثانية، لكن قيض لهم أن يكونوا شهوداً على لحظات تاريخية حاسمة، أو حاضرين لاجتماعات مصيرية مثلما هو حال دونالد لوغان المساعد الشخصي لوزير الخارجية سلوين لويد. فلوغان الذي أصبح أحد أهم الشهود في العالم على ما جرى حقاً في اجتماعات التواطؤ الشهير في سيفر (المفصلة أدناه) وصف عدم أهمية مركزه ووظيفته في تلك المرحلة في مذكراته التي نشرها في السبعينات, بأنه كان مجرد "حامل حقيبة الوزير" والمتابع لاتصالاته الهاتفية (ص 148).
نهاية الاستعمار البريطاني والفرنسي
والواقع أن وصف "أكبر أزمة سياسية في عقد الخمسينات" ليس فيه مبالغة أو تجاوز, خاصة مع ما أثارته الأزمة والحرب من
” الفترة التي اندلعت فيها أزمة السويس والعدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي الإسرائيلي الذي أعقبها على مصر كانت إعلان الوفاة الرسمي للنفوذين البريطاني والفرنسي في منطقة الشرق الأوسط لحساب ميلاد النفوذ الأميركي المتصاعد ” |
منعكسات واحتمالات آنذاك، وتورطت فيها الدول الكبرى في عز توتر الحرب الباردة. فالفترة التي اندلعت فيها تلك الأزمة، والعدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي الإسرائيلي الذي أعقبها على مصر، مثلت في الواقع نهاية لحقبة وسياسات، وبداية لحقبة وسياسات أخرى.
فهي من ناحية كانت إعلان الوفاة الرسمي للنفوذين البريطاني والفرنسي في منطقة الشرق الأوسط لحساب ميلاد النفوذ الأميركي المتصاعد، والذي توجته حرب السويس عبر الإنذار الأميركي الشهير للأطراف الثلاثة بإيقاف الأعمال الحربية، والانسحاب إلى ما وراء خطوط الهدنة. وكانت من ناحية ثانية نهاية بريطانيا "العظمى" باعتبارها القوة صاحبة اليد الطولى في الإقليم العربي المشرقي. كما عضدت أيضاً من انخراط الاتحاد السوفياتي بشكل أكبر في المنطقة, ووفرت له أيضاً الإفلات بغزو تشيكوسلوفاكيا الذي حدث في أوج أيام حرب السويس بأقل الخسائر على المستوى الدولي نظراً لانشغال المجتمع الدولي بحرب السويس.
إضافة إلى ذلك فقد كانت حرب السويس نتيجة مؤامرة دنيئة حاكتها لندن وباريس وتل أبيب، عرفت فيما بعد ببروتوكول سيفر نسبة إلى البلدة الفرنسية التي عقدت فيها اجتماعات التآمر الثلاثي في أواخر ديسمبر/كانون الأول 1956, وينظر إليها كثير من البريطانيين بخجل شديد، ذلك أنها شكلت صفحة سوداء في تاريخ الدبلوماسية البريطانية.
وقصة هذه المؤامرة صارت معروفة خاصة بعد كشف الكثير من الوثائق السرية البريطانية، وقد تسلسلت منذ اليوم الأول لإعلان التأميم كالآتي:
عمل تأميم قناة السويس على بسط السيطرة المصرية على أهم معبر مائي في العالم يصل بين الغرب وآسيا, وهو الممر الذي خيضت من أجله حروب كبرى, وتنافست عليه قوى عظمى.
بريطانيا شعرت بأن السيطرة المصرية على القناة تهدد مصالحها الحيوية، وتعيق الملاحة الدولية، ولا يمكن القبول بها خاصة مع تصاعد العداء المتبادل بين الغرب ونظام عبد الناصر.
فرنسا شاركت بريطانيا في الرؤية نفسها بالطبع, وزادت عليها غضباً مستعراً سببه أن الشركة التي كانت تدير القناة حتى ذلك الوقت شركة فرنسية ينتهي عقدها سنة 1968, وأن لفرنسا ثأراً عند عبد الناصر يتمثل في دعمه للثورة الجزائرية, وهو الدعم الذي رأته باريس واحداً من الأسباب الرئيسية وراء تصاعد الثورة هناك.
ولم تكن الولايات المتحدة بعيدة عن القناة, أي أن وقوع قناة السويس خارج إطار سيطرة الحلفاء المباشرة ينطوي على تهديد للمصالح الغربية.
يضاف إلى هؤلاء بطبيعة الحال إسرائيل التي رأت في الخطوة المصرية خطراً كبيراً على الملاحة الإسرائيلية، وعلى التوزيع الاستراتيجي -الجغرافي العام.
من هنا فقد تسارعت بريطانيا وفرنسا في دق طبول الحرب وتهديد عبد الناصر بها، أو بإعادة الأمور إلى ما كانت عليه. ومنذ شهر يونيو/حزيران بدأ البلدان يعدان العدة ليس فقط لإعادة القناة بالقوة إلى الحماية الدولية, بل وأيضاً إزاحة عبد الناصر والتخلص من حكمه إلى الأبد.
لكن مع حلول شهر سبتمبر/أيلول لم تتعطل الملاحة في قناة السويس على الإطلاق، مما أحبط الأسباب النظرية والسياسية التي ساقتها لندن وباريس نحو ضرورة القيام بالحرب ضد مصر. وبسبب انتفاء مسوغ الحرب ازداد غيظ باريس ولندن، إلى أن تفتق ذهن الجنرال الفرنسي عن فكرة "مؤامرة" سرعان ما تحولت إلى جوهر حرب السويس.
وتنطوي الفكرة على إقحام إسرائيل في الأزمة، والطلب إليها أن تشن حربا على سيناء وتسيطر عليها، إلى أن تقترب من الضفة الشرقية للقناة, الأمر الذي سيؤدي بالطبع إلى رد مصري واندلاع الحرب. وهنا تتدخل بريطاينا وفرنسا بدعوى حماية قناة السويس لتكون ممرا دوليا للملاحة، وتطلب من الطرفين وقف إطلاق النار، والابتعاد عن القناة بمسافة عشرة أميال على الأقل من كل جانب. وإذا لم يصغ الطرفان للتهديد فإن فرنسا وبريطانيا ستنخرطان في الحرب ضد الطرف المتعنت، والذي سيكون مصر بطبيعة الحال، حيث لا يتوقع أن يتم الانسحاب المجاني من القناة وتركها لتعود للإنجليز والفرنسيين كما يريدون.
وإذا بدأت الأعمال الحربية ضد مصر فإنها لن تتوقف إلا بعد أن تصل القاهرة، وتعزل عبد الناصر، وتنهي حكمه الذي نسب له البريطانيون كل الشرور التي لحقت بهم في المنطقة. بل إن ثمة رؤية تقول -مثلاً- إن جذر أزمة وحرب السويس يكمن في طرد الملك حسين للجنرال غلوب قائد الجيش الأردني انصياعاً لضغوط عبد الناصر (ص 204)، الأمر الذي كشف درجة الخطر الإقليمي التي صار يمثلها عبد الناصر على المصالح البريطانية.
تفاصيل المؤامرة على مصر
وحول تفاصيل تطبيق المؤامرة يروي دونالد لوغان أنه غادر لندن صبيحة يوم 22 ديسمبر/كانون الأول 1956 برفقة وزير الخارجية متجهين إلى باريس ومنها بالسيارة إلى بلدة سيفر, حيث كان بانتظارهم هناك غاي مونيه رئيس الوزراء الفرنسي, وديفيد بن غوريون رئيس الوزراء الإسرائيلي, وموشيه دايان رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي, وشمعون بيريز المدير العام لوزارة الدفاع الإسرائيلي. واتفق في الاجتماع المذكور على أن تبادر إسرائيل بشن حرب على مصر عن طريق سيناء وفي اتجاه قناة السويس.
وكان الأمر المقلق بالنسبة لإسرائيل هو التأكد من التورط البريطاني، وأن لندن لن تتراجع في آخر لحظة, بل إن الإسرائيليين طالبوا بأن يكون التدخل البريطاني بعد الضربة الإسرائيلية الأولى بـ36 ساعة فقط، بينما احتاجت بريطانيا إلى فترة أطول حتى تخرج مسرحية إصدار إنذار لمصر وإسرائيل معاً للتوقف عن الحرب، ثم يعقب الإنذار التدخل البريطاني/الفرنسي.
” يقدم الكتاب صورة جديدة لما كانت تقوم به السفارة البريطانية في القاهرة من دور إبان الأزمة وقبيل الحرب للمساعدة في إنجاحها على الرغم من عدم قناعة السفير نفسه باستخدام القوة ضد عبد الناصر كما يقول في مذكراته التي يرجع إليها الكتاب ” |
وعلى صعيد آخر يقدم الكتاب صورة جديدة جداً لما كانت تقوم به السفارة البريطانية من دور إبان الأزمة وقبيل الحرب، للمساعدة في إنجاحها على الرغم من عدم قناعة السفير نفسه باستخدام القوة ضد عبد الناصر كما يقول في مذكراته التي يرجع إليها الكتاب. فعقب صفقة الأسلحة التشيكية مع مصر, أرسل إيدن في ديسمبر/كانون الأول 1955 إلى السفارة البريطانية في القاهرة يسأل عن إمكانية إطاحة عبد الناصر، ومن سيكون البديل في هذه الحالة ؟. وكان جواب السفير همفري تريفلين آنذاك أن أقوى بديل محتمل هو حكم عسكري شبيه، وربما يكون أكثر تطرفاً من حكم عبد الناصر, أو حكومة وفدية مدنية متطرفة قومياً.
وكان تريفلين قد لاحظ تزايد عداء مسؤولي الخارجية في لندن لحكم عبد الناصر, ولهذا فقد طلب من الخارجية أن تستدعيه إلى الوايتهول، قبل اعتماد أية سياسة جديدة ضد عبد الناصر. وجاء رد الخارجية حينها بأنه لن تقر سياسة جديدة من دون استشارة الأطراف المعنية.
ومن المثير أن السفارة قد قامت بإرسال قائمة بأسماء المرشحين لخلافة عبد الناصر بعد الإطاحة به، من ضمنهم محمد نجيب الذي كان يقيم إقامة جبرية نظراً لصراع القوى المبكر الذي خاضه مع عبد الناصر, وعلي ماهر رئيس الوزراء في فترة الثلاثينات, وأحمد مرتضى المراغي وزير الداخلية في العهد الملكي, ومجموعة من الأسماء الوفدية (ص 20-22). وكان إلى جانب قائمة أسماء الرجل الأول المحتمل قوائم بأسماء وعناوين وهواتف الوزراء المرشحين أيضاً في حكومة ما بعد عبد الناصر. كما كان مطلوباً من السفارة أن تقوم بحملة تشويه لعبد الناصر تضعف من شعبيته وتعزله عربياً خاصة مع السعودية.
أما داخل بريطانيا -"العظمى" آنذاك- وعلى خلفية هذه الأزمة, فقد انقسم البلد إلى مؤيد ومعارض للحرب التي خيضت بهدف عسكري علني، هو إعادة قناة السويس إلى السيطرة الدولية, وبهدف سياسي غير معلن هو الإطاحة بعبد الناصر. وكان ذلك الانقسام الرأسي قد شق الحكومة والخارجية والبرلمان والصحافة والرأي العام. ولولا سرعة الحركة التي بادر بها أنتوني أيدن رئيس الحكومة, والتآمر السري مع فرنسا وإسرائيل, وإخفاء أيدن لتفاصيل العملية حتى عن أقرب المقربين إليه, وكذلك كذبه على مجلس العموم البريطاني في خطبة مشهورة إبان تلك الأزمة، مما قاد إلى تضليل الرأي العام، لربما اتخذت الأزمة مساراً آخر.
إلى ذلك كانت حرب السويس هي الصدمة التي يحتاج إليها البريطانيون كي يفيقوا على حقيقة انتهاء حقبة الامبراطورية التي لم تكن تغيب عنها الشمس، والتي طالما تغنوا بقوتها وصعب عليهم تصديق واقعة أفولها.